‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ حيدر الوكيل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ حيدر الوكيل. إظهار كافة الرسائل

السبت، 16 مايو 2015

المرجعية الفكرية لأهل البيت صلوات الله عليهم (الشيخ حيدر الوكيل)


اسس الاسلام معارفه على اسس الواقعية ولم يُعر جوانب الاسطورة او رغبات المتسلطين من شياطين الانس والجن اي اهتمام الا بما يُظهر عجز تلك الاطروحات عن تحقيق السعادة الانسانية على مستوى العدل الاجتماعي في الدنيا او النجاة من النار والفوز بالجنة في الاخرة , فظهرت في الاسلام واقعية المعارف وحقانيتها وطلبها من الطرق الصحيحة للتوصل اليها دون غبش او ضبابية كما قال الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه واله :" قد تركتكم على المحجة الواضحة ليلها كنهارها " , ولم يختلف المسلمون حول اصل مرجعية الرسول الاعظم صلى الله عليه واله ولكنهم اختلفوا في امتداد المرجعية الى عترته الهادية صلوات الله عليهم فصارت مرجعيتهم ـ بتوجيه منهم ـ علامة للشيعة , يقول ابان بن تغلب ( رحمه الله ) :" يا ابا البلاد أ تدري من الشيعة ؟ الشيعة من اذا اختلف الناس عن رسول الله صلى الله عليه واله أخذوا بقول علي عليه السلام , واذا اختلفوا عن علي اخذوا بقول جعفر بن محمد عليه السلام " .
ومن هنا نجد مرجعية ال البيت صلوات الله عليهم ظاهرة في ما نقله عنه شيعتهم على مستوى التنظير لتلك المرجعية وان ابتعد عنها ـ عمليا ـ بعض من يُظهر الانتماء اليهم غفلة او انسياقا وراء سراب الفكر البشري , اليك غيض من فيض مما دل على المراد :
الحديث الاول : ما رواه الخاصة والعامة بالفاظ متقاربة مما يظهر منه تواتره ـ معنويا ـ جليا لا نحتاج معه الى كلفة الاستدلال : قال رسول الله صلى الله عليه واله :" يا ايها الناس انى تارك فيكم الثقلين اما ان تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي اهل بيتى فانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض " .
ويكفي هذا الحديث الشريف في اثبات المطلوب وذلك لتواتره ووضوح مضمونه ودلالته على عصمة العترة ..
الحديث الثاني : ما ورد في تحديد " اهل الذكر " وهي اخبار كثيرة منها :
1ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إنه لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعملون إلا الكف عنه والتثبت فيه والرد إلى أئمة المسلمين حتى يعرفوكم فيه الحق ويحملوكم فيه على القصد ، قال الله عزوجل : " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " .
2ـ عن الوشاء قال : سألت الرضا عليه السلام فقلت له : جعلت فداك " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " ؟ فقال : " نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون ، قلت : فأنتم المسؤولون ونحن السائلون ؟ قال : نعم ، قلت : حقا علينا أن نسألكم ؟ قال : نعم ، قلت : حقا عليكم أن تجيبونا ؟ قال : لا ذاك إلينا إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل ، أما تسمع قول الله تبارك وتعالى : " هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب " .
الحديث الثالث : عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل : " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الالباب " قال أبو جعفر عليه السلام : إنما نحن الذين يعلمون والذين لا يعلمون عدونا وشيعتنا أولو الالباب " .
الحديث الرابع : ما ورد في تفسير الراسخون في العلم وهي اخبار كثيرة منها :
1ـ عن بريد بن معاوية ، عن أحدهما عليهما السلام في قوله الله عز وجل : " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " فرسول الله صلى الله عليه وآله أفضل الراسخين في العلم ، قد علمه الله عز وجل جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل ، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله ، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله ، والذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم ، فأجابهم الله بقوله " يقولون آمنا به كل من عند ربنا " والقرآن خاص وعام ومحكم ومتشابه ، وناسخ ومنسوخ ، فالراسخون في العلم يعلمونه .
الحديث الخامس : ما ورد في الاية :" بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم " .
وهي عدة اخبار منها :
عن أبي بصير ، قال : قال أبو جعفر عليه السلام في هذه الآية : " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم " . . ثم قال : أما والله يا أبا محمد ما قال بين دفتي المصحف ؟ قلت : من هم ؟ جعلت فداك ؟ قال : من عسى أن يكونوا غيرنا .
الحديث السادس : ما ورد في تفسير قوله تعالى " انما انت منذر ولكل قوم هاد " .
وهي عدة اخبار منها :
عن أبي بصير قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام : " إنما أنت منذر ولكل قوم هاد " ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وآله المنذر وعلي الهادي ، يا أبا محمد هل من هاد اليوم ؟ قلت : بلى جعلت فداك ما زال منكم هاد بعد هاد حتى دفعت إليك ، فقال : رحمك الله يا أبا محمد لو كانت إذا نزلت آية على رجل ثم مات ذلك الرجل ، ماتت الآية ، مات الكتاب ولكنه حي يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى .
الحديث السابع : عن سدير ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : قلت له : جعلت فداك ما أنتم ؟ قال : نحن خزان علم الله ، ونحن تراجمة وحي الله ، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء ومن فوق الارض .
الحديث الثامن : ، عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : الاوصياء هم أبواب الله عز وجل التي يؤتى منها ولولاهم ما عرف الله عزوجل وبهم احتج الله تبارك وتعالى على خلقه .
الحديث التاسع : عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من أحب أن يحيى حياة تشبه حياة الانبياء ، ويموت ميتة تشبه ميتة الشهداء ويسكن الجنان التي غرسها الرحمن فليتول عليا وليوال وليه وليقتد بالائمة من بعده ، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي ، اللهم ارزقهم فهمي وعلمي ، وويل للمخالفين لهم من امتي ، اللهم لا تنلهم شفاعتي .
الحديث العاشر : عن سماعة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال إن الله تبارك وتعالى علمين : علما أظهر عليه ملائكته وأنبياءه ورسله ، فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه ، وعلما استأثر به فإذا بدا لله في شئ منه أعلمنا ذلك وعرض على الائمة الذين كانوا من قبلنا .
الحديث الحادي عشر : عن إبراهيم بن زياد ، قال : قال الصادق عليه السلام : كذب من زعم أنه يعرفنا وهو مستمسك بعروة غيرنا
هم لا سواهم
قد يقال ان مرجعية ال البيت صلوات الله عليهم لا تعني الغاء مرجعية غيرهم لا سيما فيما لم يرد فيه عنهم شيء . بل ان هناك مساحة هي لغيرهم كالاعتقادات فان الاعتماد عليهم فيها يلزمه الدور , كما ان للعقل الكاشفية عن الحق والائمة سادة العقلاء فما يكون من مقررات العقل يكون من متبنياتهم بما هم عاقلون ..
والجواب : ان هنا ثلاثة محاور مهمة
المحور الاول : انحصار المرجعية في ال البيت صلوات الله عليهم وقد دلت عليها اخبار كثيرة منها :
عن فضيل ، قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : كل ما لم يخرج من هذا لبيت فهو باطل .
2ـ عن محمد بن مسلم ، قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : أما إنه ليس عند أحد علم ولا حق ولا فتيا إلا شئ أخذ عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، وعنا أهل البيت ، وما من قضاء يقضى به بحق وصواب إلا بدء ذلك ومفتاحه وسببه وعلمه من علي عليه السلام ومنا . فإذا اختلف عليهم أمرهم قاسوا وعملوا بالرأي ، وكان الخطأ من قبلهم إذا قاسوا ، وكان الصواب إذا اتبعوا الآثار من قبل علي عليه السلام .
3ـ عن المفضل بن عمر قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : من دان الله بغير سماع من عالم صادق ألزمه الله التيه إلى الفناء ، ومن ادعى سماعا من غير الباب الذي فتحه الله لخلقه فهو مشرك ، وذلك الباب هو الأمين المأمون على سر الله المكنون .
4ـ عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : من دان الله بغير سماع عن صادق ألزمه الله التيه إلى يوم القيامة .
المحور الثاني : شبهة الدور , وهي من الشبه الغريبة التي استولت على الكثير من الباحثين بدعوى ان الاعتماد على النص فرع حجيته وهي تتوقف على ثبوت حجية قول المعصوم وهي تتوقف على ثبوت التوحيد والعدل والنبوة , وهذا من غرائب الاشكالات لاسيما مع ملاحظة امتدادات هذا الاشكال ...
والجواب : ان الاخذ عن ال البيت صلوات الله عليهم على قسمين :
الاول : ما يرجع الى حجية اقوالهم والتعبد ببياناتهم وهذا ما يبتني عليه اشكال الدور .
الثاني : ما يرجع الى بيانهم لاصل الدعوة التي استحفظوا عليها وبلغوها عن الله تعالى , ومن هذا القسم تظهر ـ بوضوح ـ انحصار المرجعية فيهم دون سواهم حتى ان كل ما لم يرد في بياناتهم ـ وان كان حقا في نفسه ـ لا يصح نسبته الى دعوتهم و لا تقف أي من الحواجز دون هذا القسم , وشأنهم صلوات الله عليهم في هذا القسم شأن غيرهم من اهل الافكار والاراء فاننا لا نجد من ينسب قولا لديفد هيوم او ماركس او كانت او بيكون او ابن سينا او غيرهم دون تحقق قوله به فلا يمكن ان نقول ان فلانا عاقل فننسب له ما لم يقله بل ان رايه فرع بيانه في مرحلة الاثبات لرايه ..
ومن هنا فان الائمة الهداة صلوات الله عليهم تصدوا لبيان كل ما هو من امر الدين , وامروا شيعتهم بالرجوع اليهم في كل شيء ولكن نوع البيان يختلف فالتعبدي له مجاله والفكري الاستدلالي له مجاله .
المحور الثالث : نعم الائمة الهداة سادة الخلق وسدنة الحق , ولكن العقل له دور الادراك لا التاسيس العقائدي , والكثير من مفردات العقائدية عصية على الادراك العقلي دون دلالة المعصوم صلوات الله عليه , وفي الخبر : ، عن المفضل بن عمر قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : من دان الله بغير سماع من عالم صادق ألزمه الله التيه إلى الفناء ، ومن ادعى سماعا من غير الباب الذي فتحه الله لخلقه فهو مشرك ، وذلك الباب هو الأمين المأمون على سر الله المكنون .
وسيأتي مزيد بيان ..
شيعتهم امتداد مرجعيتهم
بعد ان بينا انحصار مرجعية الاسلام الفكرية في الحجج المعصومين صلوات الله عليهم اجمعين علينا ان نتعرف الطريق اليهم والا رجع الامر الى الاخذ عن غيرهم , ونجد في بيانات المعصومين ايضاح المحجة الى معرفة قول الحجة على الناس , فارشدوا الى الاخذ عن اصحابهم المؤمنين بهم ونهوا عن الاخذ عن غيرهم لانهم خائنون , واليك بعض ما ورد في ذلك :
1ـ عن علي بن سويد السابي قال : كتب إلى أبو الحسن عليه السلام وهو في السجن : وأما ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك ، لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا ، فانك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم ، إنهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله ولعنة ملائكة ولعنة آبائي الكرام البررة ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة - في كتاب طويل .
2ـ عن أحمد بن حاتم بن ماهويه قال : كتبت إليه يعني أبا الحسن الثالث عليه السلام أسأله عمن آخذ معالم ديني ؟ وكتب أخوه أيضا بذلك ، فكتب إليهما : فهمت ما ذكرتما ، فاعتمدا في دينكما على مسن في حبكما وكل كثير القدم في أمرنا ، فإنهم كافوكما إن شاء الله تعالى .
3ـ عن الثمالي قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : إياك و الرئاسة ، وإياك أن تطأ أعقاب الرجال ، فقلت : جعلت فداك : أما الرئاسة فقد عرفتها وأما أن أطأ أعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي إلا مما وطئت أعقاب الرجال ، فقال : ليس حيث تذهب ، إياك أن تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال .
وتطفوا هنا اشكاليات : اهمها :
الاشكالية الاولى : الاحتكار الفكري والتعتيم باتجاه واحد مما يلغي الاخر ويفرض ديكتاتورية فكرية احادية .
والجواب : ان الحرية الفكرية ترجع الى استعراض ذوي الفكر لافكارهم والسماح لمن يود التعرف عليها بقرائتها والاطلاع عليها , وهذا غير ما نحن فيه , فان ما ندعيه هو في مقام بيان الفكرة وتأمين مصدر انتشارها وحصر البيان بالائمة الهداة صلوات الله عليهم والنقل بالمؤمنين بهم , ليس الا محافظة على الفكرة لتصل عبر الاجيال فيؤمن من يؤمن ويكفر من يكفر , وعلى ذلك سيرة العقلاء من ذوي الافكار , واعتبر ـ اليوم ـ بما تجعله الدول والمؤسسات من قنوات رسمية مكتوبة ومسموعة ومرئية لبث افكارها دون غيرها فلا تكون ملزمة بما تحكيه عنها .. 
الاشكالية الثانية : اننا نجد في نقلة اخبار الائمة الاطهار صلوات الله عليهم من هم من غير شيعتهم فكيف يكون الامر محصورا بالشيعة ؟
والجواب : ان الاخذ عن غيرهم فيه جانبان :
الاول : الاستقلال عن الحجج الالهية بحيث يكون الناقل ليس في مقام النقل بل يرى في نفسه انه مرجعية في عرض مرجعية ال البيت صلوات الله عليهم وهذا هو مورد التحذير وهو الخائن الذي خان الامانة ..
الثاني : من يكون واسطة في النقل فقط فيرجع الامر الى ما هو الحجة في النقل حسب اختلاف المباني , ومع القول بحجية الخبر المتواتر او المحتف بالقرينة المفيدة للعلم فلا يبقى مجال للتشكيك فيما نجده من الاخبار وبعض رواته من غير الشيعة اذ ملاك اعتباره يتجاوز هذه الحيثيات .
الراي من سبل الابتعاد عن المرجعية الحقة
الرأي وهو في اللغة على قسمين : الاول : رأي القلب . والثاني : رأي العين .
قال الخليل بن احمد الفراهيدي :" الرأي : رأي القلب ، ويجمع على الآراء ، تقول : ما أضل آراءهم ، على التعجب و ( راءهم ) أيضا . ورأيت بعيني رؤية . ورأيته رأي العين ، أي : حيث يقع البصر عليه " . وقد فرق النحاة بين " رأى " البصرية فهي تنصب مفعولا واحدا , و " رأى " القلبية فهي تنصب مفعولين .
فـ " الرأي " هو عمل القلب , فهو يمتزج بالهوى والرغبات والميول , ولعل من هذا المنطلق حرم الاسلام العمل بالرأي , وتحريم الاسلام للعمل بالرأي صارم جدا حتى انه لا يؤجر التابع لرأيه حتى في حال اصابة الحق ، عن أبي بصير قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام : يرد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب ولا سنة فننظر فيها ؟ - فقال : لا ، أما إنك إن أصبت لم توجر ، وإن أخطأت كذبت على الله .
وقد ثبت نهيهم عن العمل بالرأي في اخبار كثيرة منها :
قال أمير المؤمنين عليه السلام لانسبن اليوم الاسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلى ولا ينسبه أحد بعدى إلا بمثل ذلك ، الاسلام هو التسليم ، والتسليم هو اليقين ، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الاقرار ، والاقرار هو العمل ، والعمل هو الاداء ، إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ولكن أتاه عن ربه فأخذ به ، إن المؤمن يرى يقينه في عمله ، والكافر يرى انكاره في عمله ، فوالذي نفسي بيده ما عرفوا أمر ربهم فاعتبروا انكار الكافرين والمنافقين باعمالهم الخبيثة .
2ـ عن محمد بن الطيار قال قال لي أبو جعفر عليه السلام : تخاصم الناس ؟ - قلت : نعم ، قال : ولا يسألونك عن شئ إلا قلت فيه شيئا ؟ - قلت : نعم ، قال : فأين باب الرد إذا ؟ !
3ـ عن ابن مسكان ، عن أبي الربيع الشامي قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام : ما أدنى ما يخرج العبد من - الايمان ؟ - فقال : الرأى يراه مخالفا للحق فيقيم عليه .

السبت، 28 فبراير 2015

صولة العرفان وخرافة العلم الحضوري (الشيخ حيدر الوكيل)



من المسارات الفكرية والسلوكية التي ظهرت عند المسلمين هي الاتجاه العرفاني الصوفي , وقد اكتنفه جانبان , الاول منهما : تمثل بالغموض , فهؤلاء الناس يقولون ويفعلون ما لا يرتضيه الكثير من المسلمين فالفقهاء والمتكلمون يرون في " التصوف " حالة غير مقبولة اسلاميا فيما هي دعاوى لا تمتلك دليلا وسلوكا بلا مستند شرعي . والجانب الاخر : هالة التقديس التي احاط العرفاء والمتصوفة انفسهم بها فالزهو والمقامات المعرفية العالية هي ما تجعل الاخر يتوقف في امرهم احسانا للظن بهم او لدواعي اخرى ...
ومن هنا ظل العرفان ولقرون طويلة حبيس افراد ودعاوى غامضة , واليوم نحن نعيش في زمن " صولة العرفان " فالعرفاء ـ اليوم ـ لهم تمكن واستقواء , اظهروا مطالبهم وشرحوا مقاصدهم , وتبعهم من الناس من تبعهم , وتمظهرت مقولاتهم بمظاهر شتى , فاستفاد منها حداثويوا الشيعة من المعاصرين , فنجد ان تفسير " سروش " للوحي عرفاني بامتياز , ومن المستغرب اننا في زمن يدعون فيه الى التعقل متغافلين عن احترام الدين في عقائده وتشريعاته للعقل واستناده في اصل مشروعيته واثباته عليه , متغافلين ذلك وداعين الى " العقلنة " لكنهم في الوقت ذاته يركسون عقولهم في اكبر مصادرة للعقل عرفها تاريخ الاسلام والشيعة على وجه الخصوص ...
ان دعوى الكشف التي استند اليه سروش في تفسير الوحي هي دعوى لم يتم البحث فيها والتعرف على حقيقتها ومرجعها الى ماذا ؟ فهل هي فعل ممكن وحالة ممكنة الحدوث ام هي " قعقعة " و واجهة تقنع فراغا ؟
الكشف دعوى حصول علم حضوري عند المنكشف له ... ام ان الكشف امر آخر ؟
ان هذه الدعوى يظهر للباحث بوضوح تام زيفها بمعرفة حقيقة العلم الحضوري وانه وهم من اوهام الفلاسفة ساقته يد الخيال الى السهروردي في حالة من الذهول الاخرق , وأُعجب من أُعجب فادخلوه الى علمي الفلسفة والمنطق حتى صار يدرس في اوليات الدرس المنطقي في الحوزات العلمية , فياخذه الطالب اخذ المسلمات , ولما لم يكن في الحوزة من الاهتمام التحقيقي ما يطال المباحث المنطقية ظلت التشكيكات بالعلم الحضوري لا تتجاوز التاملات غير المتتبعة , وفي المقابل روج المروجون للفلسفة والعرفان بما لا تقاومه تلك التاملات ...
والحاصل ان التعرف على حقيقة العلم الحضوري وانه ما هو الا خرافة لا اصل لها يكشف الاستار عن حقيقة الكشف الذي استند اليه في تقومه به ..
ومن هنا فكل ما يتحدث به العارف والحداثوي من ان النبوة لون من الكشف وانها تجربة دينية وهي مفتوحة للجميع فهو لا يمتلك المستند العلمي فضلا عن الديني لاثباته .
ومن الغريب ان يتوقف " المفكرون " في قبول الادلة الكثيرة التي يقدمها الاسلام في اثبات معطياته , ثم ينساقون وراء مصادرة العقل والفكر بدعاوى الكشف !

الخميس، 11 ديسمبر 2014

ادوار علم الكلام الشيعي (الشيخ حيدر الوكيل)


 
                          ادوار علم الكلام
نستطيع ان نميز اربعة ادوار لعلم الكلام في اطار مدرسة الشيعة الامامية .
الدور الاول : هو الدور الذي بدأ فيه اصحاب الائمة (عليهم السلام) ببيان العقيدة والدفاع عنها ، فنجد ان قيسا الماصر ( كان قد تعلم الكلام من علي بن الحسين ) كما في النص السابق ، ونجد على باب الامام ابى عبد الله الصادق (عليه السلام) مجموعة من اعيان اصحابه كلهم يحسن الكلام ونجد الرواية السابقة وغيرها تعطي للكلام موقعا مهما تجعل يونس بن يعقوب يتحسر عليه . ومن مميزات هذا الدور هو وجود الامام المعصوم بين المتكلمين فهو المرجعية الواضحة المعصومة منه يأخذ المتكلمون ما يشكل عليهم من تقاصيل هذا العلم وما يحتاجونه منه لاداء مهمتيه ، البيان والدفاع ، والامام عليه السلام يعتني بهم بل ويقوم بتقييم اصحابه فيقول في اخر النص السابق ( يا حمران تجري الكلام على الاثر فتصيب ، والتفت إلى هشام بن سالم فقال : تريد الاثر ولا تعرف ثم التفت إلى الاحول فقال : قياس رواغ ، تكسر باطلا بباطل ، لكن باطلك أظهر ، ثم التفت إلى قيس الماصر فقال : يتكلم وأقرب ما يكون من الخبر عن الرسول صلى الله عليه وآله أبعد ما يكون منه ، يمزج الحق بالباطل ، وقليل الحق يكفي عن كثير الباطل ، أنت والاحول قفازان ، حاذقان ، قال يونس بن يعقوب : وظننت والله أنه يقول لهشام قريبا مما قال لهما فقال : يا هشام لاتكاد تقع ، تلوي رجليك إذا هممت بالارض طرت ، مثلك فليكلم الناس ، اتق الزلة ، والشفاعة من ورائك ) .
وهذا يعني ان هناك علم كلام اهتم الائمة برعاية طلابه واعدادهم لبيان الحق وتوظيفهم للدفاع عن مذهب اهل البيت (صلوات الله عليهم) ولكننا لا نظن ان الاصحاب قد تبلور لديهم أي شيء من الافكار يخالف ما يريده الائمة (صلوات الله عليهم) وذلك لقرب العهد وسهولة الوصول و مرجعية الائمة الضاربة بجذورها في اعماق شيعتهم لذلك نجد ان كتب العقائد او ما وصلنا من الكتب المهتمة بالعقائد كانت عبارة عن روايات ولعل من اهمها كتاب بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار (ره) وكتاب بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله القمي الاشعري (ره) ومن امتدادات هذه المرحلة الشيخ الكليني (ره) في كتابه الكافي و شيخنا الصدوق (قده) وكتبهم العقائدية تمثل هذه المرحلة وتعطي للمتتبع تمثلا واضحا لطريقة اصحاب الائمة في علم الكلام والاعتماد بالدرجة الرئيسة على مرجعية اهل البيت العقائدية ، والتوحيد ومعاني الاخبار واكمال الدين وغيرها من الكتب شاهد على ذلك .
الدور الثاني : ويبدء بالشيخ المفيد وطلاب مدرسته كالسيد المرتضى والشيخ الطوسي (قدست اسرارهم) . وقد تميز هذا الدور بان هناك انفتاحا بالنسبة للشيعة على الواقع الاسلامي العام ـ دون وجود الامام المعصوم بين ظهرانيهم ـ جعل كرسي الكلام عند الشيخ المفيد الذي فرض نفسه >بعلمه وتقواه < كعالم الشيعة ومتكلمهم الذي له الباع الطويل في الدفاع عن المذهب الحق وبيان معتقداته وهذا هو الذي فرض عليه نوعاً من الطرح المغاير لطرح السابقين عليه بل والمعاصرين له ممن لم يكونوا بهذا الموقع المنفتح على الآخر كاعلام مدرسة قم ، ومن هنا نجد ان كتب العقائد اختلفت منهجيا عن كتب المرحلة السابقة , فتميزت بالابتعاد عن ذكر الروايات واعتمدت بيان العقيدة باسلوب المتكلمين من المذاهب الاخرى ولعلهم انتهجوا هذا المنهج لايجاد لغة مشتركة مع المذاهب الاخرى تفتح باب الحوار وتقرب المسافات بين الفرق المختلفة .
سيطرت هذه اللغة حتى اعطت للبحث الكلامي ومناهجه نسقا اخر غير ما عرف زمن الائمة الطاهرين (صلوات الله عليهم) .
بل نجد ان هناك انسياقا مع امواج ذلك المنهج العامي المفروض الى حد التاثر به في تحقيق الحق وفي هذا خطورة كبيرة اسست لتقبل الواقع العلمي عند الشيعة للدور الثالث الذي انخزل عن الاخبار الشريفة كثيرا واعتمد الفلسفة المشائية ومنطقها كاسس للعقيدة الاسلامية عند الامامية.
ومن مؤشرات هذا الانسياق مسالة رجوع الصفات الالهية الذاتية الى السلبية فان اعلام هذا الدور لم يتعرضوا لها رغم كونها من اهم المباحث المميزة للعطاء الامامي في مسالة الصفات , مع ان الشيخ المفيد (ره) لم يتعقبها في نقده على عقائد الشيخ الصدوق مما يعني موافقته عليها و لا يخفى ان رجوع الصفات الذاتية الى السلبية بنفي اضدادها بمعنى ان ( عالم ) بمعنى ( لا يجهل ) مثلا , صار هذا الاصل العظيم في بحث الصفات من خفيات المطالب بل سمعنا وقرئنا انكار هذه الفكرة من قبل جمع من اعلام الشيعة فانظر عقائد الامامية وغيرها , وتمام الكلام في مباحث التوحيد .
الدور الثالث : ولعل ابرز اعلامه هو الخواجة نصير الدين الطوسي (ره) ومن اوضح سمات هذا الدور انه وظف قواعد الفلسفة وفق المنهج المشائي لرفد حركة علم الكلام وقد بهر هذا الاسلوب اعلام المتكلمين والفلاسفة معا فوجدوا فيه عالما محققا في العلمين معا وقد جمع في كتابه التجريد , الفلسفة والكلام في نسيج واحد ، باهر ، جعل كتابه محط انظار الفريقين شرحا وتعليقا ومما وفر الظروف لهذا النوع من الطرح العقائدي هو ظرف الانفتاح الذي بدأ انذاك واتضحت معالمه وقطفت ثماره بجهود العلامة الحلي ( ره ) وهو تلميذ الخواجة الطوسي .
ولعلنا نتلمس الفرق واضحا بين هذا الدور والدور الاول بشكل كبير اذ ضاعت فيه ملامح الكلام في الدور الاول ولا يدلك على هذا مثل دعوى الطوسي في نقد المحصل ان ليس في البداء الا رواية وهي خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا , مما يدل على انه لا اطلاع له على تراث الائمة الروائي وكتب الاصحاب في تحقيق المسألة , بل هو متكلم فيلسوف اعجب علماء عصره بدقة نظره في الفنين .
وسار على نهج الخواجة الطوسي (ره) جمع من الاعلام حتى لا نكاد نجد بيانا لمطالب التوحيد الا واعتمد منهج التجريد في البيان معتمدين دليل الامكان الذي تطور ليكون ( دليل الصديقين ) وليكون بحيث لايتم دليل الحدوث الا به كما ادعاه العلامة الحلي (ره) .
ومن الانصاف ان نقول ان في هذا الدور اعلام اجلاء لهم الدور الكبير في حفظ العقيدة الحقة والدفاع عنها لعل من اشهرهم المحقق الفاضل المقداد السيوري ( ره ) فله يد طولى في بيان المعارف الحقة لكن على نهج متكلمي هذا الدور , بل ان الخاجة الطوسي والعلامة الحلي لهم ايضا يد بيضاء في نشر التشيع والوقوف امام شبهات الفلاسفة المشهورة التي تمس الدين مباشرة كالقول بقدم العالم مثلا .
الدور الرابع : وهو الدور الذي بدأت فيه سيطرة الفلسفة على الساحة العقائدية والغت دور علم الكلام ولعل التبلور الواضح لهذا الدور يبدء على يد ملا صدرا واتباع مدرسته ، وهذا هو دور الضعف والخور لعلم الكلام فيما يبدو لنا .
وفي هذا الدور انهار علم الكلام لتقف الفلسفة في ثوبها الصدرائي الدخيل بديلا عنه, مدخلة لافكار نأت عن العطاء الاسلامي الامامي جملة وتفصيلا.
ومن مشاكل هذه الفلسفة انها تفرض المشكلة لتصور ان هناك ( معضلة علمية ) لا تحل الا بالعطاء الفلسفي لهذه المدرسة , وربما بدت بيانات الحق وكأنها ساذجة امام التعقيد الذي تعرض به هذه المدرسة فكرها ولنمثل لابتعاد هذه المدرسة عن معالم الحق.
اولا: القول بان المعاد منحصر بالروحاني:
قال الشيخ محمد تقي املي في درر الفوائد ج2 ص460:" ( اقول ) هذا غاية ما يمكن ان يقال في هذه الطريقة ولكن الانصاف انه عين انحصار المعاد في الروحاني لكن بعبارة اخفى فانه بعد فرض كون شيئية الشئ بصورته وان صورة ذات النفس هو نفسه وان المادة الدنيوية لمكان عدم مدخليتها في قوام الشئ لا يحشر وان المحشور هو النفس غاية الامر اما مع انشائها لبدن مثالي قائم بها قياما صدوريا مجردا عن المادة ولوازمها الا المقدار كما في نفوس المتوسطين من اصحاب الشمال او اصحاب اليمين واما بدون ذلك ايضا كما في المقربين. (ولعمري) ان هذا غير مطابق مع ما نطق عليه الشرع المقدس على صادعه السلام والتحية.
وانا اشهد الله وملائكته وانبياءه ورسله اني اعتقد في هذه الساعة وهي ساعة الثلاث من يوم الاحد الرابع عشر من شهر شعبان المعظم سنة 1368 في امر المعاد الجسماني بما نطق به القران الكريم واعتقد به محمد صلى الله عليه واله والائمة المعصومون صلوات الله عليهم اجمعين وعليه اطبقت الامة الاسلامية و لا انكر من قدرة الله شيئا.
ثانيا : دعوى ان الارادة من صفات الذات
قال السيد هاشم الحسيني الطهراني في ما علقه على كتاب التوحيد للشيخ الصدوق قدس سره ص328 في تعليقته على الحديث الصحيح عن ابي عبد الله عليه السلام قال : المشيئة محدثة, قال معقبا:" ومشيئة الله تعالى تارة تؤخذ باعتبار تعلقها بافعاله تعالى فهي عند الحكماء واكثر المتكلمين قديمة من صفات الذات وعند ائمتنا صلوات الله عليهم وبعض المتكلمين كالمفيد رحمه الله حادثة من صفات الفعل ..
ثالثا : انكار الخالقية:
يقول ملا صدرا:" فما وضعناه أولا بحسب النظر الجليل من أن في الوجود علة ومعلولا أدى بنا أخيرا من جهة السلوك العلمي والنسك العقلي إلى أن المسمى بالعلة هو الأصل والمعلول شأن من شؤونه وطور من أطواره. ورجعت العلية والإفاضة إلى تطور المبدأ الأول بأطواره وتجليه بأنحاء ظهوراته" .

اشارة:
ولكن لابد من الاشارة الى ان علم الكلام في جانب الدفاع عن العقيدة خصوصا الامامة استمر بنفس القوة لا تهزه الهزاهز وما كتاب العبقات والغدير والمراجعات ودلائل الصدق واحقاق الحق وملحقات الاحقاق , وانتهاءا الى في رحاب العقيدة الا فتوحا كلامية اعتمدت وضوح الحجة على الحق واقامة المحجة لسالك طريق الهداية وفي جانب الدفاع هذا يكمن الكثير من البيان الذي اعتمده الاعلام بيانا للحقيقة وكذلك لم نعدم ابحاثا كلامية مختصره غرضها عرض الحق لطالبيه كمقدمات للكتب الفتوائية صارت في هذا العصر الاخير كتبا مستقلة كاصول العقيدة لآية الله السيد الحكيم (دام ظله) ومقدمة منهاج الصالحين لآية الله الوحيد الخراساني (دام ظله).
ومن هذا نعرف ان الجهد الكلامي مستمر بشقيه عرض العقيدة والدفاع عنها، لكن لم يلتزم المتكلمون بالكلام الذي تكون الفلسفة المشائية مقدمة له وهذا ما اعطى فرصة لمدرسة ملا صدرا لمصادرة جهود هؤلاء الاعلام المحققين ولا نؤيد ان الاعلام اخطأوا او قصروا بعدولهم عن ذلك المنهج ، كلا وحاشا ولكننا نقول لو تصدى الاعلام للبيان والاعلان عن المنهج المختار ومميزاته وعدم الضرورة لمنهج التجريد لكان اولى وادفع للاشكال ولعلهم لم يتصدوا لذلك لعدم الحاجة اليه من وجهة نظرهم ابان تأليف هاتيك المؤلفات الشامخة.
نماذج من هذه الادوار:
الدليل على وجود الباري سبحانه في البيان الروائي وهو الدور الاول من ادوار علم الكلام عند الامامية: عن ابي عبد الله صلوات الله عليه من الاستدلال في وجود الباري ومغايرته سبحانه لخلقه:" قال له السائل: فما هو؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: هو الرب وهو المعبود وهو الله وليس قولي: الله إثبات هذه الحروف: ألف ولام وهاء، ولا راء، ولا باء ولكن ارجع إلى معنى وشئ خالق الأشياء وصانعها ونعت هذه الحروف وهو المعنى سمي به الله والرحمن والرحيم والعزيز وأشباه ذلك من أسمائه وهو المعبود عزوجل. قال له السائل: فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقا ، قال أبو عبد الله عليه السلام: لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد عنا مرتفعا لأنا لم نكلف غير موهوم ولكنا نقول: كل موهوم بالحواس مدرك به تحده الحواس وتمثله فهو مخلوق، إذ كان النفي هو الإبطال والعدم، والجهة الثانية: التشبيه إذ كان التشبيه هو صفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف فلم يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين والاضطرار إليهم أنهم مصنوعون وأن صانعهم غيرهم وليس مثلهم إذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد إذ لم يكونوا وتنقلهم من صغر إلى كبر وسواد إلى بياض وقوة إلى ضعف وأحوال موجودة لا حاجة بنا إلى تفسيرها لبيانها ووجودها . قال له السائل : فقد حددته إذ أثبت وجوده ، قال أبو عبد الله عليه السلام : لم أحده ولكني أثبته إذا لم يكن بين النفي والإثبات منزلة" .
ولكننا نجد في استدلال شيخ الطائفة الطوسي قدس سره على التوحيد ما يبتعد في منهجه عن الدور الاول وان كان اصل الاستدلال واحدا اذ لا دليل الا الحدوث ولكنه عرضه باسلوب يتناغم مع الواقع العلمي انذاك حيث الانفتاح على العامة فنجده مثلا يناقش الاشعري وغيره لبيان الحق.
قال قدس سره:
" فصل (في ذكر بيان ما يؤدي النظر فيه إلى معرفة الله تعالى)
لا يمكن الوصول إلى معرفة الله تعالى الا بالنظر في حدوث ما لا يدخل تحت مقدور المخلوقين، وهو الاجسام والاعراض المخصوصة، كالالوان والطعوم والاراييح والقدرة والحياة والشهوة والنفار وما جرى مجرى ذلك. فأما ما يدخل جنسه تحت مقدور القدر كالحركات والسكنات والاعتمادات والاصوات، فلا يمكن بالنظر فيها الوصول إلى معرفة الله تعالى. والكلام في حدوث الاجسام أظهر، لانها معلومة ضرورة لا يحتاج فيها في العلم بوجودها إلى الدليل بل انما يحتاج إلى الكلام في حدوثها، ثم بيان أن لها محدثا يخالفها فيكون ذلك علما بالله، ثم الكلام في صفته. ولنا في الكلام في حدوث الاجسام طريقان: أحدهما: أن ندل على أنها ليست قديمة ، فيعلم حينئذ أنها محدثة، لانه لا واسطة بين القدم والحدوث. والطريق الثاني: أن نبين أنها لم تسبق المعاني المحدثة، فيعلم أن حكمها حكمها في الحدوث" .
وقال:
"فصل (في اثبات صانع العالم وبيان صفاته) إذا ثبت حدوث الاجسام بما قدمنا، فالذي يدل على أن لها محدثا هو ما ثبت في الشاهد من أن الكتاب لا بد لها من كاتب والبناء لا بد له من بان والنساجة لا بد لها من ناسج وغير ذلك من الصنائع. وانما وجب ذلك فيها لحدوثها ، فيجب أن تكون الاجسام إذا شاركتها في الحدوث أن تكون محتاجة إلى محدث. فان قيل: كيف تدعون العلم بذلك وههنا من يخالف في ذلك ويقول الكتابة لا تعلق لها بالكاتب ولا البناء بالباني ولا غير ذلك من الصنائع، وهو الاشعري وأصحابه، لان عندهم أن هذه الصنائع لا كسب للعبد فيها وانما هي من فعل الله وحده. قلنا: الاشعري لم يدفع حاجة البناء إلى بان ولا الكتابة إلى كاتب، وانما قال فاعلها هو الله تعالى دون العبد . ونحن لم ندع العلم بحاجة هذه الافعال إلى فاعل معين بل ادعينا حاجتها إلى صانع ما في الجملة. ثم هل هو القديم أو الواحد منا؟ موقوف على الدليل، ودليله هو أنه يجب وقوع هذه الافعال بحسب دواعينا وأفعالنا ويجب انتفاؤها بحسب صوارفنا وكراهتنا ، فلو كانت متعلقة بغيرنا لما وجب ذلك، كما لا يجب ذلك في طولنا وقصرنا وخلقنا وهيأتنا لم لما تكن متعلقة بنا ، فالوجوب الذي اعتبرناه يبطل تعلقها بغيرنا. فان قيل: ما أنكرتم أن يكون ذلك [بالعادة دون أن يكون] واجبا. قلنا: ذلك فاسد من وجهين ..." .
لكننا نجد وضوحا في هجر هذا المنهج في الدور الثالث حيث يصرح العلامة الحلي رحمه الله بان دليل الحدوث لا يتم بنفسه بل بدليل الامكان.
قال بعد ان شرح كلام الخواجة الطوسي ره " الموجود ان كان واجبا.. " وهو دليل الامكان: " والمتكلمون سلكوا طريقا اخر فقالوا: العالم حادث فلابد له من محدث , فلو كان محدثا تسلسل او دار, وان كان قديما ثبت المطلوب لان القدم يستلزم الوجوب , وهذه الطريقة انما تتمشى بالطريقة الاولى " .
اما الدور الرابع فقد صرح اعلامه بان الباري تعالى هو ( الوجود ) وهذا ما لم نجد له عينا ولا اثرا في المأثور عن الثقلين واستدلوا على دعواهم انطلاقا من اثبات اصالة الوجود.
قال السيد الطباطبائي في بدية الحكمة :" حقيقة الوجود ـ التي هي اصيلة لا اصيل دونها , وصرفة لا يخالطها غيرها لبطلان الغير فلا ثاني لها كما تقدم في المرحلة الاولى ـ واجبة الوجود " .
وقال في نهاية الحكمة:
" ان حقيقة الوجود التي هي عين الاعيان وحاق الواقع وحقيقة مرسلة يمتنع عليها العدم.. " .
وهذا القول ابتنى على القول باصالة الوجود التي تؤدي بالضرورة الى القول بوحدة الوجود لذا صرح ملا صدرا: "فكما وفقني الله تعالى بفضله ورحمته الاطلاع على الهلاك السرمدي والبطلان الازلي للماهيات الامكانية والاعيان الجوازية فكذلك هداني ربي بالبرهان النير العرشي الى صراط مستقيم من كون الموجود والوجود منحصرا في حقيقة واحدة شخصية لا شريك له في الموجودية الحقيقية ولا ثاني له في العين , وليس غيره في دار الوجود ديار " .