الثلاثاء، 12 أغسطس 2014

التوحيد بالأسماء لا بالوحدة الشخصيّة (الشيخ محمد السند)


(التوحيد بالأسماء لا بالوحدة الشخصيّة)

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم


بسم الله الرحمن الرحيم


والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء وأشرف المرسلين محمد الأمين ، وعلى آله أمناء الدين .

كلام الكلام ـ على أيَّةِ حال ـ في برهان الصّدّيقين : دليل الإطلاق والتقييد ، أو نقول : السعة مقابل الضيق ، والصياغة الثانية ـ للإطلاق والتقييد ـ : وهي السعة الخارجيّة .


ومرَّ بنا التذكيرُ بشبهةِ علقتْ في ذهنِ كثيرٍ من العُرفاءِ أو الصوفيّةِ أو الفرق الباطنيّة أو غيرهم ربّما يعزوها البعضُ نتيجةَ هذا الدليل ، باعتبارِ أنّ هذا الدليل فيه أنّ سعةَ الذاتِ الأزليّة ليست سعةً جسمانيّة بل سعةَ إحاطةِ الوجود ، ونفاذِ الوجود ، وقوّةِ الوجود في كلِّ وجودِ الوجودِ ، أي لا يخلو منه وجودٌ . هذا ـ طبعاً ـ موجودةٌ في بياناتِ الوحي ( يا مَنْ لا يخلو منه شيءٌ ) ، أو في دعاء كميل : ( وبأسمائك التي ملئت أركان كلِّ شيء ) طبعاً الأسماء غير الذّات ، فكل شيء مخلوق له أركان ، وقد ملئت الأسماءُ الإلهيّةُ أركانه ، فالاسم الإلهي يملأُ ويسعُ ، فضلاً عن الذات الإلهيّة أي المُسمَّى .


الاسم يملأ ـ يعني واسع ـ ، ويملأ لا يعني مُحاط ، ومظروف بل مُحِيط ، فاسم القدير ملأ هذا الشيء ، وملأ هذا الشيء يعني وسعه وأحاط به . ( أركان كلِّ شيء ) يعني كلّ شيء بقضّه وقضيضه ، وبأسره مملوءٌ ومحاطٌ بإحاطةِ وهيمنةِ الأسماءِ الإلهيّةِ ، ولا يعني ذلك أنّها اسم واحد ، بل أسماء ( وبأسمائك ) . إذاً ؛ ( ملئت ) لا يعني أنّها صارت مظروفة ، بل هي محيطة ونافذة ولطيفة ومهيمنة ، هذا هو معنى ( ملئت ) ، فالملأ ليس على وتيرة الأجسام ـ فالجسم يحتاج إلى مملوء ، فالّذي يُملأُ به يصير مظروفاً ، والمملوء يصير ظرفاً ـ فليس المُراد ذلك ، فملأَ كلَّ شيء ، أي نفذ وهيمن وأحاط بكلِّ شيء .


هذا بالنسبة للأسماء ، فكيف بالنسبة للذات الإلهيّة الأزليّة . إذاً : هذه السعة ـ سعة الهيمنة والنفوذ والإحاطة ـ علقة من هذا الدليل وهذا البرهان نوع من الكدورة في التصوّر بحسبان أنّ بمقتضى هذا الدليل أن المخلوقات لا حظَّ لها من الوجود ، ولا حظَّ لها من الواقعيّة ، لأنّا لو بنينا أنّ لها حظَاً من الواقعيّة أو حظّاً من الوجود ، إذاً : لكانت ندّاً أو مزاحمة للواقعيّة الذاتية الأزلية له تعالى .


فلو كانت لها وجود لاختصّت بذالك القدر من الوجود ونزعته ونقصته من الباري ، هكذا توهّموا . هذه نوع من السلفيّة والوهابية في هذا البحث ، لأنَّ الوهابية السلفيّة نفس الشيء ، إذ أنّهم يقولون : تعظيم غير الله معناه الندّ ، فعندهم تقديس وتعظيم غير الله ـ وإنْ كان بأمرٍ من الله ـ معناه الندّ .


ولكنّا نقول: ماذا يعني ( غير الله ) ؟ فهنا يأتي بيت الجواب هل معنى ( غير الله ) رؤية غير الله في الشيء ؟ وإنْ كان كذلك فما هو هذا الشيء ؟ أو لم يقلْ أمير المؤمنين عليه السلام ( وبأسمائك التي ملئت أركان كل شيء ) فكل شيء يحكي الوجود الأزلي الذاتي ، يحكي أي نافذٌ فيه ، ومحيط به ، وسيع نفوذُه ، هو يحكي عنه ، فكيف يكون غير الله ؟ وعليه فليس معناه رؤية غير الله في الشيء .


هل معنى ( غير الله ) أي غير مستقل ؟ وإنْ كان كذلك فمَنْ هذا الغير مستقل ؟ لأنّه لا تقوم قائمة شيء من الأشياء بدون الله ، وعليه فهذا غير متصوَّر أيضاً .


إذاً : هنا صار خلط ـ عند الوهابية على صعيد التوحيد الأفعالي أو العبادة وبين العُرفاء أو الصوفيّة على صعيد التوحيد الوجودي لو التزموا بالوحدة الشخصيّة الخاطئة ـ بين الغيريّة المستقلّة والغيريّة غير المستقلّة ، وهذه بالتالي ليست غير ، وهي ليست عين ومعنى .


هل الأشياء المخلوقة قائمة بنفسها ؟ طبعاً لا ، هل في زاوية من زواياها قائمة بنفسها ؟ لا ، لأنّ الأسماء ( ملئت أركان كل شيء ) فبالتالي لا يوجد زاوية من زوايا هذا الموجود المخلوق ليس فيه اسميّة من أسمائه تعالى ، يعني ليس فيه دلالة على أنّه قائمٌ بالله تعالى ، فكل أركان كينونة وكيان وركن كيان أركان هذا الشيء المخلوق مملوء بالأسماء الإلهيّة ، ومملوء بالأسماء الإلهيّة تعني الأسماء الإلهيّة تحكي قيامه تعالى .


فأيُّ غيريّة مقصودة ؟ يقول أنا رجل ، يكون زاوية من زوايا هذا المخلوق أنا رجل ، أي أنا قوّي بنفسي وقادر بنفسي ، وأنا كينونة كائن بنفسي ، من أين ؟ لأنّ تمامَ حقيقتي أنّي فعلٌ لربّي ، هذا هو الصحيح ، فأيّ مخلوق ينطق بهذا الأمر ، تمام حقيقة نفسي أنّي مخلوق لله ، أنّي فعلٌ لربّي ، لا أنّي عين ذات ربّي ، فهناك فرق بينهما . بين أصنام ندّيّة ـ وهذا غير صحيح ـ ، وبين عينيّة ذاتيّة ـ وهذا غير صحيح ـ وبين حواكي عن الله ـ وهذا الصحيح ـ .


فالشُقوق ـ في معرفة الغيرية ـ ليست ثُنائيّة[1] فهناك شِقٌ ثالث ، وهو : آياتٌ إلهيّة ، وأسماء إلهيّة ، يعني تمام حقيقة الأشياء أنّها اسمٌ له ، أنّها له ، وإنّيّتها له ـ وإنّيّتها وجودها ـ فتمام إنّيّتُها كائنة في هذه الواقعيّة ( له ) ، ولا يقولون ( به ) ، فتمام إنّيّتها له ، أمّا إذا أردتَ أنْ تحذفَ ( له ) ـ فمعناه أنه ليس ( له ) ـ فأنتَ وقعتَ بالشرك من جهة من حيثُ لا تشعر ، إذا قلتَ بالوحدة الشخصيّة فقد نفيت ( له ) .


لذلك هناك برهان يبيّنه أمير المؤمنين عليه السلام في حديث الاحتجاج ـ وهو حديث معروف ـ يسطّر فيه عليه السلام كلّ علوم القرآن ـ يعني أُسُس علوم القرآن ـ ، وهناك يبيّن أمير المؤمنين عليه السلام فلسفة خِلقة الخَلق ما هي ؟ أهل البيت عليهم السلام بعكس ما يدّعيه العُرفاء يبيّنون عدّة غايات للخِلقة ـ لماذا خلق الخلق ؟ ـ وهذا بحثٌ من بحوث أُسس المعارف ، ما هي العلّة والغاية من خلق الخلق ؟


يبيّن ـ هناك ـ أمير المؤمنين ربّما حكمتين ـ أو أكثر ـ بديعتين حول سرّ خلق الله للمخلوقات ، يبيّن هذا المقطع ، يقول : ( فخلق الخلقَ وأمرهم ونهاهم ليتحقق حقيقة الاسم ) .


فمعناه أنّك عندما تقول : الله قادر ، معناه : أنّ المقدور موجود ، وتقول : عالم ، فمعناه : أن المعلوم موجود ـ وإنْ كان لدينا يوجد عالم بلا معلوم ولكن ـ ليتحقّق مطابقة العلم وأنّه حقيقي ينوجد المعلوم على طبق العِلم ، وينوجد المقدور على طبق القدرة ، ينوجد المُحاط على طبق اسم المحيط ( ليتحقق حقيقة الاسم ) . فالوحدة الشخصيّة تؤدي إلى إنكار وجحود الأسماء الإلهيّة ، ولكن كيف يؤدّي إلى إنكار الأسماء الإلهيّة ؟


لأنّ الاسم الإلهي هو الشيء الدالّ على الله[2] ، فلازم الوحدة الشخصيّة نفي الأسماء ، وجحد الأسماء والكفر بالأسماء ـ وكلامنا حول الكفر ليس الكفر الفقهي بل الكُفر العِلمي ـ أي جهل الأسماء ، مع أنَّه لا يوجد عاقل في فطرته ينكر الأسماء الإلهيّة ، فلا أحد يشكك أنّ الله قادر وغني وأول وآخر وحيّ ومريد ولطيف وواسع ومحيط ، فلا يستطيع إنكار هذه الأسماء ومقتضاها أنّها ( ملئت ) ـ كما يقول أمير المؤمنين ـ ( ليتحقق حقيقة الاسم ) كيف يتحقق حقيقة الاسم ؟


بناءاً تفترض أنّ هناك أشياء خُلقت في ظلِّ الأسماء ـ ظلّ أي تبع ـ لكن تلك الأشياء المخلوقة ليست أنا رجل ، ليست آلهة ، كلّها بقضّها وقضيضها ملئتها أسماؤه تعالى ( وبأسمائك التي ملئت أركان كل شيء ) يعني لا تدع لشيء في شيئيّته إلاّ ويقول : عبدٌ مخلوق ، عبدٌ مخلوق ، قِنٌّ مخلوق ( كفى بي فخراً ـ تمام حقيقة الأشياء ـ أن أكون لك عبداً ) فأكون أي : كوني عبوديّة ، أي اسميّة له تعالى ( وكفى بي عزّاً ـ أي اعتزازي ـ أنْ تكونَ لي ربّاً ) لذلك الوهابية من حيث لا يشعرون ، وأصحاب الوحدة الشخصيّة في بحثِ المعرفة الإلهيّة في المقام الأول من حيث لا يشعرون ـ من العرفاء وغيرهم ـ وهابيّة من نمطٍّ معيّن .


فالسقيفة سقيفة سياسية ، كما توجد سقيفة عقائديّة ـ أيضاً ـ ، والوهابية كذلك ، فيوجد وهابية في بحث العبادة والتوسّل ويوجد وهابية بهذا النمط ـ أقصد نفس الشاكلة ونفس الانزلاق ، ونفس الغفلة والجهالة على صعيد أصل المعرفة الإلهيّة ـ .


دعوني أقولها بصراحة : بعض العُرفاء أو الصوفيّة يظنّ أنّه إذا ركّزت على مقامات أهل البيت عليهم السلام ومعارف أهل البيت يكون توحيدُك ناقصاً ، وهذا عجيبٌ ، وعندهم هذه النظرة ، شبيه السلفيّة ولكن في مقام التوحيد ، وهذه ملفّات سريّة في المعرفة ، ولكن لا بأس بكشف الأوراق بعض الشيء ، ومثل هذه المشارب موجودة ، والحال أنّك إنْ جعلتَ الذات الأزليّة وحدة شخصيّة في الأسماء ـ والعياذ بالله ـ صارت : ذات خاوية عن الكمالات ، فالأسماء مظهر كمالات الله ، فنحن لا نقول عين ، بل مظهر ( وله الأسماء الحُسنى ) لذلك صار ذكرُهم ذكرَ الله ، ( اللهم إنّي أسألُك بمعاني جميع ما يدعوك .. المأمونون على سرِّك ، الواصفون لقدرتك ، المعلنون لعظمتك ، أسألُك بما نطق فيه من مشيئتك فجعلتهم ـ هؤلاء المقرّبين ـ معادن كلماتك وأركاناً لتوحيدك وآياتك ومقاماتك ) إذاً : أركان التوحيد والآيات والمقامات هم هؤلاء ، الذين هم عبوديّة محضة لله تعالى ، لا أنّه خِلاف التوحيد ، بل هو رُكن التوحيد ( مَنْ أراد الله بدأ بكم ، ومَنْ وحّده قَبِلَ عنكم ) ولكن على هذا المسلك المتعسلك : لا تصير توحيديّاً ، فلا تركّز على معارف ومقامات أهل البيت كثيراً !! ، ونحن هل ندّعي في أهل البيت إلاّ ما أعطاهم الله ؟ هذه عطايا الله لماذا نخفيها ؟ هم أفعال الله ، فلماذا نخفيها ؟ لماذا نسكت عنها ؟


إذاً : حجبنا معرفتنا عن فيض الله ، وفيه نوع نقص من المعرفة بالله ( فجعلتهم أركاناً لتوحيدك ) كيف تعرض التوحيد ؟ تعرض التوحيد يعني ملئ كل شيء ، هو ملئ له تعالى ، أنت إذا تتحسّس من عبارة ( له ) فأنت لم توحِّد الله في أسمائه ( التي ملئت أركان كل شيء ) ، فإذا كان كلّ شيء أسماء له ، وعبودية له ، فأين الابتعاد عن التوحيد ؟ هذا التوحيد الذي ننشده بغير الوحدة الشخصيّة .


أمّا الذين ينشدون التوحيد بالوحدة الشخصيّة بأنْ تنفيَ كلّ شيء عدا أنه هو الله ، لم ينشدوا التوحيد .


فإذا نفيت كلّ شيء ، لم تنشد التوحيد ، فإذا أردت أنْ تنشدَ التوحيد ( فجعلتهم أركاناً لتوحيدك ولآياتك ومقاماتك ، وملئت بهم سماءك وأرضك حتّى ظهر أن لا إلا إلاّ أنت ) إذاً تظهر عظمته أكثر وتتبدا أكثر فأكثر .


وبهذا البيان ـ أي بالوحدة الشخصيّة تُخفي عظمة الله ، فهم كالوهابية ، فأهل الوحدة الشخصيّة في مقام المعرفة الإلهيّة ، أما الوهابيون ففي مقام توحيد العبادة ، فهم يصغّرون الله من حيث لا يشعرون .


فأولئك ـ أي الوهابية والسلفية ـ في مقام توحيد العبادة يظلمون اللهَ عندما ينفون الوسائل والوسيلة إلى الله ، وينفون الآيات ، ويعتبرون كلّ شيء غير الله ، فهم يعتبرون كل هذه الأشياء قائمة غير الله ، وهذا هو الخطأ ، وهذا هو الكُفر ، لأنّ كلّ الأشياء قائمة به ( يا مَنْ كلّ شيء قائم به ) ( وأسألك بأسمائك التي ملئت كل شيء ) إذا ملئت كل شيء ، فأين غير الله ؟ الغير يعني مستقلّ ، ولكن لا وجودَ لهذا المستقل ، فالغير بمعنى مستقل وبمعنى ندّ وبمعنى شريك لا وجود لها ، أمّا أشياء ملؤها أسماء الله ، وملئ أركان وجودها أسماء الله ـ بالعكس ـ هذه عظمة الله ، هذا توحيد الله ، ولكن بهذا النظام ، نظام الأسماء ، نظام الآيات ، نظام أولياء الله ، نظام المقرّبين ، لا النظام الذي يكفر بالله بأشكل المشكلات وهي الجحود لآيات الله وبأسماء الله ( وذروا الّذين يلحدون في أسمائه ) بهذا اللحاظ ، وللبحث تتمّة وصلى الله على سيّدنا ونبيّنا محمد وآله الطاهرين


_________________________


[1] أي ليست حصر بالثنائيّة إمّا ندّ مستقل أو عينٌ ذاتيّةٌ شخصيّةٌ . ( منه حفظه الله )


[2] وسيأتي في موطنه بحث الأسماء وهو بحث زلزالي كبير وعظيم في معارف أهل البيت عليهم السلام ، ونحنُ لا زلنا في المرحلة الأولى من المعرفة ( أول الدين معرفته ) فنحن لا زلنا في هذه المرحلة ، أمّا المراحل الأُخرى ( وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ) جميع هذه المراحل ستأتي ، الآن في المرحلة الأولى بحسب بيان أمير المؤمنين : أصل المعرفة وشبهة الوحدة الشخصيّة . ( منه حفظه الله )


ملاحظة : تم نقل هذه المحاضرة من قبل أحد الفضلاء دون تدقيق وتقويم للنص , نشرت لتعم الفائدة .

السبت، 9 أغسطس 2014

التحذير من كتاب المثنوي ومن حافظ الشيرازي (العلامة الأميني)





يقول العلامة الاميني رحمه الله في احد محاضراته:
إن استمعت لكلامه (أي أمير المؤمنين)؛ سررت بذلك..
إن تعلَّمت من علمه؛ سررت بذلك..
إن قبلت ولايته؛ سررت بذلك..
فانصرف لتتعلم كَلِمِ صاحب الولاية..
واذهب وانظر ماذا قال أمير المؤمنين..
وكيف خاطب الله عزَّ وجل..
لترى كيف العشق..
وكيف المحبة..
ولن تجد علماً صحيحاً عند حافظ الشيرازي..
ولا في المثنوي..
من حافظ أصلاً؟!
وما هو المثنوي؟!
جِدْ عالماً واجعل بين يديه دعاء السجاد عليه السلام..
وهو يقرأ لك لتفهم ما العشق..
***
لنفترَّض أنه قد جيء بي - أنا الأميني - إلى القيامة..
وأنا (على حسب الفرض) لم أُذنب..
وحافظتُ على صلاتي وصيامي..
ولم أغتب ولم أستعمل الربا ولم أشرب الخمر ولم أجعل امرأتي تتبرَّج وتتعرَّى في الشوارع ولم أستمع للموسيقى والأغاني ولم أرتكب السيئات التي منعها الله..
ويُجاء بي إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيسألني..
يا شيخ، أتعتقد بي؟ فأقول نعم..
أتحبني؟ نعم..
أأنا وليك المطلق؟ نعم..
أتراني روح الأرواح؟ نعم..
أتراني محب الله؟ نعم..
أتعتقد بالنبي (صلى الله عليه وآله)؟ نعم..
والنبي هو الذي قال أن أحب خلق الله إلى الله علي بن أبي طالب..
أتعرف علاقتي بالله؟ نعم..
على هذه الأحوال (الكلام لأمير المؤمنين) أكان من الأفضل أن تتغنَّى بكلامي وتقرأه وتبكي عليه أم تفعل ذلك بكلام حافظ الشيرازي؟!
أأُجعل أنا وحافظ في مستوى واحد؟!
أيُجعل كلامي والمثنوي في مستوى واحد؟!
***
المحشر..
يأتي أمير المؤمنين..
وأنا أأتي أيضاً..
فيقول: هذا حافظ..
ألحافظ عقل كعقلي؟!
ألحافظ علم كعلمي؟!
أأرادة حافظ كإرادتي؟!
أكان حافظ عالماً بالحقائق مثلي؟!
أكان حافظ نورانياً مثلي؟!
أكان حافظ ربَّانياً مثلي؟!
ألحافظ عظمة كظمتي؟!
أكان حافظ عارفاً بحقيقة المحبة مثلي؟!
أكان حافظ عارفاً بالله مثلي؟!
أكان حافظ عالماً مثلي؟!
أكان لحافظ مثل ملكاتي النفسانية؟!
أكان لحافظ مثل نفسياتي الكريمة؟!
لماذا ضيَّعت مقامي هذا وجعلتني وحافظ في مستوى واحد؟!
المثنوي!! المثنوي!!
سيأتي الله بهذا الكتاب في يوم المحشر..
وهذه عقيدتي فإن شاء الله يأتي به..
يُؤتى بهذا الكتاب..
ويُؤتى بهؤلاء (المولوي صاحب المثنوي) ليُسئلوا عن هذه الكلمة التي كتبوها أن المثنوي أصل أصل الأصول!
المثنوي أصل أصل الأصول؟!!!!
والله..
لو شربت الخمر لمئة سنة لربما عفى الله عنك..
ولكنه لا يعفو عن مثل هذه الكلمة..
المقطع الصوتي:

الجمعة، 8 أغسطس 2014

کيف يوصف الله تبارک وتعالى بالوجود والشيئية (الشيخ حسن ميلاني)



کيف يوصف الله تبارک وتعالى بالوجود والشيئية
(الوجود العام والخاص)
إشارة
تتوهم الفلسفة والعرفان أن:

حقيقة وجود الخالق والمخلوق جنس واحد وسنخ فارد، ولا فرق بينهما إلا بالتناهي وعدم التناهي، فوجود الخالق هو نفس وجود كل مخلوق مع زيادة، وهو عين وجود الخلق بأجمعه،
و يكشف هذا الفصل عن بطلان ذلك ببيان:

أن وجود الخلق حقيقة مقدارية عددية متجزية، واللّه‏ تعالى يباين خلقه تمام التباين لا أن يكون التفاوت بينهما بأمور اعتبارية ـ كأن يكون أحدهما جزءا أو مرتبة أو حصة من وجود الآخر ـ مع الاتحاد في الوجود العيني، بل يكون بينهما من حيث الواقعية وسنخ الوجود غاية التباين والافتراق،
لا يحكم على اللّه‏ تعالى بالوجود إلا بمعناه الخاص به أو بمعناه العام، ولا يكون الوجود المحكوم به عليه وعلى خلقه مشتركا معنويا تمام الاشتراك، كما أنه لا يكون مشتركا لفظيا أيضا الا أن المقسم لهذين القسمين هوالوجود بمعناه العام الشامل لكليهما.
الوجود والموجود من حيث العينية والمواقعية إما مقدارى عددى متجزي، وإما بخلافه، ويكون بين هذين السنخين تباين تام، لا يمكن التفوه باتحادهما وعينيتهما بوجه.
إن للشيئية معني خاص بالخلق وهو ما يمكن معرفته وإدراكه بنفسه في كمه وكيفه وعدده الخاص به، ومنه معني الهي خاص بالخالق المتعال وهو ما لا يمكن تصوره بنفسه ولا يعرف إلا بأنه شيء بخلاف كل شيء قابل للتصور والتوهم، والمقسم لهذين القسمين هو معني الشيء بعنوانه العام الشامل لكليهما.
الموجود الواقعي[1] الذي يكون شيئا بحقيقة الشيئية، والشيء الحقيقي الذي يكون موجودا واقعيا، فهو إما مقداري عددي قابل للزيادة والنقصان والوجود والعدم، متحقق في الأجزاء والأبعاض، ومتقوم بالحدود والأعراض؛ وإما يكون بخلاف ذلك، ومتعاليا عن ذلك، فلا يتصور بنفسه، ولا يعرف إلا بأثره الدال على وجوده.
فما يمكن معرفته من معنى الشيء والموجود، هو عنوان خاص منه ـ وهو المقدار الموجود القابل للعدم لذاته ـ وهو يكشف بحدوثه ووجوده، عن وجود موجود حقيقي وشيء بحقيقة الشيئية وراء قابلية النسبة إلى الوجود والعدم، والتحقق في المقدار والأجزاء والزيادة والنقصان، والدخول تحت التصور والتوهم والبلاغ. فهو موجود لا كالموجودات، وشيء لا كالأشياء، وذات لا كالذوات، وحقيقة لا كالحقائق.
هذا كلّه من ناحية الوجود والموجود والشيء مصداقا وعينا، ولكن من ناحية الوجود المحمول على الأشياء، والمحكوم به على الموضوعات، فالوجود له معينان معنى يختص بالخلق وهو وجود يقبل نقيضه، ومعنى يختص بالخالق وهو ما لا يتصور له النقيض والمقابل ذاتا والمقسم لهذين القسمين هو معنى عام للوجود وهو حاكٍ عن مجرّد الثبوت وعدم البطلان، كان قابلاً للمقابل أم لم يكن.
إن التصديق المتعلق بوجود المخلوق هو هذا التصديق القابل للنفي ذاتا، وأما الخالق تبارك وتعالى فلا يتعلق التصديق بوجوده كالتصديق بسائر الأشياء، أي بعد إمكان تصوره بنفسه مقداريا متجزيا قابلا للتجريد عن الوجود الخارجي والتحقق الواقعي، وقابلاً للنسبة إلى طرفي الوجود والعدم. بل ليس وجوده إلا إثباته، ولا يحكم عليه بالوجود إلا بمعنى يختص به، أو بمعناه العام الحاكي عن مجرد الثبوت وعدم البطلان.
قيل: إن القائلين بتباين المعاني والمفاهيم المحمولة علي الخالق والمخلوق خلطوا بين المفهوم والمصداق حيث إن التخالف والتباين يكون بين مصداقي الخالق والمخلوق لا المفاهيم المحمولة عليهما من الوجود والعلم والقدرة و...
ونقول: هذا تحليل باطل. وذلك حيث إنا نقول: ”إن الله تعالي عالم بخلاف العلماء وموجود لا كالموجودات” وإلا لكنا من الملحدين والمشبهين ولا نقول: “زيد عالم بخلاف عمرو” و“زيد موجود لا كالموجودات” و... هذا مع أن المصاديق في كل ذلك تكون متبائنة متغايرة بلا شبهة فليس الأمر إلا من جهة تباين المفاهيم والمعاني المحمولة علي الخالق والخلق.
ثانيا: إن اشتراك المصاديق وعدم تبانيهما أمر مستحيل في نفسه ولا فرق في ذلك بين المخلوقات أو الخالق والخلق فلا وجه لتوهم التباين بين الخالق والمخلوق دون مصاديق المخلوقات بأنفسها.
ثالثا: لا معني لحمل مفهوم واحد علي مصاديق متبائنة فإن ذلك أمر مستحيل في نفسه وكأن هذا القائل خلط بين المفاهيم الماهوية مع المعقولات الثانية في اصطلاحهم التي زعم بعضهم أن المعقولات الثانية تحمل بمفهوم واحد علي مصاديق متبائنة. والحق أن المعقولات الثانية أيضا ‌لا تكون من حمل مفهوم واحد علي المصاديق المتبائنة في شيئ بل هي أيضا محمولات ومفاهيم بمعني واحد علي مصاديق من جهة أنها ‌مشتركة ‌في معني واحد محمول عليها. وتباين المصاديق من الجهات الأخري دون المعني المحمول عليها المشترك بين كلها أمر آخر لا ينافي اتحاد المصاديق من جهة المعني الواحد المحمول عليها من جهة ‌آخر.
فالوجود المحكوم به على الخلق، مع الوجود المحمول على الخالق تعالى يشتركان في معنى عام وهو المعنى الحاكي عن مجرد الثبوت والوجود الحقيقي وعدم البطلان، ويفترقان بأن الأول منهما يقبل مقابله ونقيضه ويكون متعلقا بالمقادير، ومتفرعا على معرفة ذوات قابلة للدخول تحت البلاغ والمعرفة بأنفسها، ومتساوية النسبة مع الوجود والعدم، ولكنه يمتنع ذلك كله في ما يحمل على الخالق المتعال الّذي يكون بخلاف كل شيء، متعاليا عن كل شيء.
فبما أن كل موجود مقداري، محتمل للزيادة والنقصان وقابل للوجود والعدم، ومحتاج إلى من يخلقه ويوجده، يخضع العقل لدي الإقرار بأنه لا بد أن يكون هناك شيء بحقيقة الشيئية وموجود حقيقي بخلاف الأشياء كلها، متعال عن إمكان التحقق في المقدار والأجزاء، لا يمكن فرض عدمه لذاته، لان فرض العدم لشيء فرع كونه مقداريا قابلاً للرفع بارتفاع أجزائه. وأما هو تعالى فإنما وجوده إثباته.[2] ولا يكون شيئا مثبتا كسائر الأشياء التي يمكن تصورها مجردة عن النفي والإثبات، بل هو مثبت موجود غير فقيد ولا معدوم، كل ذلك بالمعنى الخاص الذي يليق به تعالى أو بالمعنى العام الذي قد أوضحناه، ويكون علي نحو صرف الإلتفات إلى نحو وجوده يلازم إثباته الخاص به، وهو الإثبات الذي لا يوجد له مثل، كما أنّه لا يمكن فرض النقيض لهذا الإثبات ذاتا، حيث لا يتقدمه تصور الموضوع القابل للنفي والإثبات بالذات فلا يكون إثباته إثباتا يتصور له المقابل والنقيض والنفي.
فهو موجود وراء كل ما يقبل الوجود والعدم، وهو كائن قبل الكون والكينونة بمعناهما الخاص، بل هو متعال عن قبول التحقق والوجود والعدم، وإمكانهما له، ونسبتهما إليه، ـ فإن كل ما يمكن أن يفرض مجردا عن الوجود والعدم ويقبل النسبة إليهما في مرحلة من المراحل فالحكم بضرورة أحدهما له لذاته خلاف الفرض ـ فلا يحكم عليه تعالى بالوجود إلا بعنوانه الخاص به أو بعنوانه العام الطارد للعدم والنفي والبطلان فقط، وهذا هو سرّ وجوب تأويل إثبات وجود الخالق جل وعلا إلى نفي العدم، ولا نحتاج حينئذ أن نقيد هذا العدم بعدم خاص به تعالى، أي لا نحتاج أن نقول: "هو تعالى ليس بمعدوم كالمعدومات" وذلك أنه تعالى لا يكون معدوما مطلقا فيكفينا في ذلك الإطلاق. وذلك بخلاف إثبات الوجود له تعالى حيث يجب علينا أن نقول عند ذلك: هو تعالى موجود لا كالموجودات فتبصر.
فالشيء والموجود المقداري المتجزي (المخلوق)، يشترك مع الشيء المتعالي عن المقدار (الخالق).، في أنهما كليهما شيئان واقعيان ثابتان غير باطلين[3] ويفترقان بأن المخلوق هو الكائن في الأجزاء والمقدار والعدد، محتمل للزيادة والنقصان، جائز النسبة إلى الوجود والعدم لذاته؛ وقابل للتصور بنفسه، وللوضع والرفع المتقابلين؛ والخالق يتعالى عن ذلك كله كما بيناه.
وهاهنا أمر ثالث وهو أن مفهوم الشيء، يكون أيضا على قسمين قسم منه خاص بالخلق وهو صورة الذوات والموجودات المخلوقة القابلة للتعدد والتكثر والزيادة والنقصان، وقسم آخر منه هو المفهوم الخاص بالخالق المتعال وهو ما لا صورة عنه بذاته بل لا يتوجه العقل إليه الاّ بعنوان أنّه شيء بخلاف الأشياء كلّها، والمقسم لهذين القسمين هو المفهوم بمعناه العام الحاكي عن مجرد الشيئته القابلة للتوجه والإلتفات إليه، المخرج له عن كونه مجهولاً مطلقا.
فهاهنا حقائق متعددة:

1. (وجود المخلوق)، وهو الشيء الواقعي الثابت العيني المتجزيء وهو نفس مصاديق الأشياء الخارجية المخلوقة.
2 . (وجود الخالق المتعال).، وهو شيء بحقيقة الشيئية، متعال عن المقدار والعدد، لا يعرف ولا يتصور بنفسه، ولا مفهوم له قابلا لأن يدرك. فلا يعلم ما هو، ولا يدرك ما هو، بل هو شيء لا كالاشياء، وذات بخلاف الذوات كلها، وليس الحكاية عنه بقولنا: "هو شيء" أو "هو موجود" إلا الإشارة إلى مجرد كونه شيئا واقعيا لا موهوما ولا معدوما، لا إخبارا عن تحقق أجزاء معينة قابلة للتصور وقابلة للتجريد عن الوجود والعدم في أي مرحلة من المراحل، كما أن الأمر يكون كذلك في شأن ما سواه تبارك وتعالى.
3 . (المفهوم الخاص بالخلق).، وهو نفس المفاهيم المدركة من الأشياء المقدارية التي تطابق مصاديقها، وهي التي يمكن تجريدها عن الوجود والعدم ونسبتها إليهما ذاتا.
4 . (المفهوم الخاص بالخالق).، فإن الخالق جل وعلا ولا صورة ذهنية له، لا يتصور، ولا يمكن أن يلتفت إليه بنفسه، ولا مفهوم له إلا بعنوان: "هو شيء بخلاف الأشياء" "الذات الذي لا مفهوم له،ولا يدرك مطلقا، ويكون خارجا عن حيطة البلاغ"، و...
ثم إن بين مصداقي الحقيقة العينية للأشياء المقداريةً و"ما بخلافه" يكون تباينا سنخيا (وهو كون أحدهما مقداريا متجزيا عدديا، وكون الآخر متعاليا عن الأجزاء). تاما، وذلك يجري عليهما من حيث معناهما القابل للتصور والإدراك أيضا حرفا بحرف، فإن الشيء الخارجي الواقعي المتحقق في الأجزاء والأبعاض الخارجية، يطابقه مفهومه من حيث تقومه بالحدود والأبعاض التصورية والتوهمية[4] وما يكون بخلاف ذلك عينا وواقعا فلا حدود له ولا أجزاء تصورية وتوهمية أيضا،
"فالمفهوم"، منه خاص بالخلق، ومنه خاص بالخالق، "الخاص" هو المتصور بنفسه في أجزائه وحدوده وأبعاضه، و"العام" ما يكون بخلاف ذلك ولا يعرف إلا بأنه ما يكون بخلاف كل شيء وتصور وتوهم.
5 . (الوجود الحملي الخاص بالخلق).، وهو معنى الوجود والعدم المتقابلين الذين يختص حملهما على الأشياء المقدارية المخلوقة القابلة للوجود والعدم بالذات. (هذا إذا قلنا بأن قضية "زيد موجود" مثلاً يتركب من تصور موضوع ومحمول و...، وأما إذا قلنا بأنه يكون تصورا واحدا وهو تصور واقعية زيد فقط فادعاء اشتراك الوجود يصبح بديهي البطلان، حيث إن تباين واقعيته زيد وواقعية عمرو و... يكون من البداهة بمكان).
6 . (الوجود الحملي الخاص بالخالق تبارك وتعالى)، وهو معنى الوجود والإثبات الذي يحمل على الخالق المتعال فقط ولا مقابل له بالذات؛ فإن الوجود والعدم بمعناهما الخاص بالخلق هو المعنى الذي يقبل مقابله ذاتا، فيكون ملكة وعدما للذات المقداري والشيء بمعناه الخاص، (وهذا السنخ من الموجودات والأشياء هو الذي يصح عليه الحكم بامتناع اجتماعه مع نقيضه وامتناع ارتفاعه مع نقيضه مع الشروط الثمانية، وأما الخالق تعالى فهو خارج عن ذلك موضوعا، لا يتصور له النقيض مطلقا، ولا يدخل تحت ما يشمله شيء من الشروط الثمانية المتفرقة على كون الشيء عدديا مكنها ذاتا) وفي قبال ذلك هو وجود الخالق المتعالي عن المقدار الذي يمتنع تصور العدم له تعالى ذاتا.
إن اللّه‏ تعالى لا يكون ذاتا متصورة منسوبة إلى الوجود، حتى يمكن سلب الوجود عنه، ويمكنَ تصور ذاته جلت عظمته خالية عن الوجود ومتصفة بالعدم في أي مرحلة من المراحل؛ بل إن قبول الوجود ولا قبوله لا يتصور إلا للموجود المقداري ويكونان كالملكة والعدم له.[5]
وأما الموجودية المنسوبة إلى الخالق تبارك وتعالى ـ وهي الموجودية الخاصة بما يكون مبائنا للمقدار والعدد ـ لا يمكن فرض النقيض له ثبوتا، فلا يمكن فرض العدم للذات المتعاليه رأسا، فإن ما يمكن تصوره مجردا عن الوجود والعدم ويمكن أن ينسب إليهما بالذات ليس إلا مقداريا عدديا مخلوقا.
وعلى هذا فوجود المخلوق يكشف عن وجود الخالق تعالى، لا على نحو يمكن أن يفرض عدم وجوده تعالى حتى مع فرض عدم خلقه الخلق أو انعدام المخلوقات بعد ما استكشفنا وجوده تعالى عن وجود خلقه، فإننا بعد أن علمنا بوجود الخلق نعلم أن اللّه‏ تعالى موجود، ونعلم أنه لو لم يكن الخلق موجودا لم يكن لنا طريق إلى العلم بوجود الخالق، ونعلم أيضا بعد العلم بوجوده تعالى أن فرض عدم الوجود للّه‏ تعالى محال ذاتي. فإن ما ثبت وجوده، وهو مخالف للمقدار والأجزاء فقد يستحيل فرض عدمه ذاتا وثبوتا، لأن النسبة إلى الوجود والعدم، فرع إمكان تجريد الذات عن الوجود والعدم، وتصور الذات مجردا عن الوجود والعدم فرع كونها مقدارية متجزية مخلوقة وليس اللّه‏ تبارك وتعالى كذلك. (قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: وجوده إثباته.[6]؛ وقال عليه السلام: الحمد للّه‏ الّذي أعجز الأوهام أن تنال إلاّ وجوده.[7] وقال عليه السلام: كمال معرفته التصديق به[8]).
وبالوقوف على هذه الحقيقة فيظهر أنه لا مجال لما قد يقال:
"ما هو المانع من انعدام الخالق بعد خلقه الخلق؟" (ومن الموهون هاهنا جدا هو قول أصحاب الفلسفة والعرفان بأن: "اللّه‏ تعالى هو نفس حقيقة الوجود غير القابلة للعدم لذاتها المتعين بصور جميع الأشياء" الذي قد بينا بطلانه موضوعا وحكما مرارا). فإن هذا السؤال خارج عن الموضوع الحقيقي اللائق به الألوهية، ويمتنع طرحه في حق من لا يتصور له العدم لذاته، لتعاليه عن الكون المقداري القابل للوجود والعدم لذاته. بل إن كل ما يمكن فرض عدمه لذاته، فهو مقداري متجزيء، والخالق تعالى ليس كذلك. (ويمكن أن يستدل لذلك بقوله تعالى "أفي اللّه‏ شك فاطر السموات والأرض" حيث إنه لو قال قائل إنى أقر بوجود الخالق من حيث كونه محدثا وأشك في كونه باقيا؛ فإنه يقال في جوابه: إن الفطر والخلق يدلان على كون الخالق والفاتر متعاليا عن الاتصاف بالوجود القابل للعدم لذاته).
7 . (المفهوم العام)، وهو مفهوم الشيئية بمعناه العام الذي يجوز حمله على الخالق والمخلوق (وهو المقسم للمفهوم الخاص بالخلق والخاص بالخالق، وذلك كما إذا قلنا: "الخالق والمخلوق شيئان بحقيقة الشيئية")، ويكون مصداق ذلك كل أمر واقعي ليس موهوما ولا معدوما ولا باطلا، مقداريا كان وقابلا للتصور، (وهو كل ما يدرك من معاني الخلق)، أو غير مقداري كان وخارجا عن إمكان التصور والبلاغ بنفسه (وهو الخالق تعالى الذي يمتنع تصوره بنفسه ويكون عنوانه هو نفس "الشيء الخارج عن التصور والتوهم بالذات" و"الشيء الذي يكون بخلاف الأشياء كلها").
والشيئية بهذا المعنى العام هو ما له مجرد الشيئة والواقعية القابلة للالتفات إليها، المخرجة لها عن كونها مجهولة مطلقة.
8 . الوجود الحملي العام: معنى الوجود والإثبات بعنوانه العام الذى يشمل الخالق والمخلوق، وهو يلازم تصورَ المحكوم عليه في كمه وكيفيه الخاصان به تارة ـ وهو ما اذا كان موضوعه ما يتحقق في المقدار والأجزاء والعدد ـ، ويتجرد عن ذلك تارة أخرى فيكون حينئذ إثباتا لا لشيء متصور بمعناه الخاص أي في كم وكيف معينين. والموضوع في هذا القسم هو الشيء بمعناه العام الذي يمتنع تصوره بنفسه ويكون عنوانه هو نفس "الشيء الخارج عن التصور والتوهم بالذات" و"الشيء الذي يكون بخلاف الأشياء كلها"، فلا وجه للإشكال في ذلك باستحالة الحكم لا على الموضوع.
ويستنتج من ذلك كله:
الوجود مصداقا وعينا على سنخين متبائنين بتمام الذات:
أ) وجود مقداري متجزي هو المخصوص بالخلق
ب) وجود متعال عن المقدار والأجزاء وهو ذات الخالق تبارك وتعالى.
2. مفهوم ذوات الأشياء وصفاتها على سنخين: مفهوم خاص بالخلق وهو قابل للتعدد والتكثر کمفهوم المثلث والمربع و...، ومفهوم خاص بالخالق وهو مفهوم الشيء بخلاف الأشياء. والمقسم لهذين القسمين هو مفهوم الشيء بعنوانه العام.
نكتة: إن معني الوجود والشيئية الخاص بالله تعالي والمقسم الشامل له تعالي ولغيره منهما كلها تكون أمورا جديدة قد أحدثها الخالق تبارك وتعالى بتعريفه نفسه إلى عباده، ولم يكن الخلق يعرفها قبل ذلك ـ بل ما كان يمكنه أن يهتدي إلى ذلك دون الرجوع إلى مكتب الوحي كما بيناه في مبحث الانسداد ـ حتى يمكنه أن يضع بإزاء تلك المعاني ألفاظا وأسامي. والطريق إلى الإشارة إلى تلك المعاني والأوصاف المقدسة ينحصر بالاستعانة بما يجري على الخلق من الأسماء والأوصاف مضافة إلى قيود سلبية كقولنا: "شيء بخلاف الأشياء" و"بصير سميع بغير جارحة" و"داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارج عنها لا كشيء عن شيء خارج" و"فاعل بلا آلة" و...
كما أن بعد التفات الخلق إلى تلك الذات المقدسة ومعرفة تلك المعاني البديعة لا يكون إجرائها على الخالق والخلق بخصوصهما على نحو واحد وباشتراك لفظي أو معنوي أيضا، بل يكون على النحو الذي بيناه ـ وهو الاستعانة بما يجري على الخلق من الأسماء والأوصاف مضافة إلى قيود سلبية ـ
ومن هنا يعلم أيضا أن اختلاف الوجودين لا يكون مصداقيا فقط، بل يكون في كل الجهات المذكورة المفهومية والمصداقية.

 الهوامش:
[1] . إن قلنا بأنّ حصول العلم والإدراك للإنسان للحقايق الموجودة يكون بأن يدرك ويتصور الواقعيات الخارجية مجردة عن الوجود والعدم أولا، ويحكم بجواز الوجود والعدم بعقله لتلك المعلومات الموجودة فعلى هذا المبنى يصبح القول باشتراك مفهوم الوجود أو عدم اشتراکه باطلا برفع موضوعه حيث إنّه من الواضح أنه لا يصير اللّه‏ تعالى مدرکا ومعقولا ومتصورا ومعروفا بنفسه أبدا حتى يمكن بعد ذلك لحاظه على نحو آخر. وبعبارة أخرى: إذا قلنا إن معنى الحكم بوجود شيء هو النيل العلمي ـ المبتني علي مغايرة العالم والمعلوم لاستحالة الاتحاد مطلقا ولأدلة أخري لا علي اتحاد العالم والمعلوم كما زعمت الفلاسفة والسوفسطائية ـ إلی موجود يقبل الوجود والعدم، فحيث إن اللّه‏ تعالى يكون متعاليا عن أن ينال أو يدرک ويكون خارجا عن التصور بالذات فالحكم بوجوده يباين الحكم بوجود سائر الأشياء المقدارالمتجزية القابلة للتصور مجردة ‌عن الوجود والعدم بالبداهة ولا مجال للقول باشتراك مفهوم الوجود بين الخالق والخلق على هذا الفرض من الأساس.

[2]. وجوده إثباته: أمير المؤمنين عليه السلام، بحار الأنوار، 4 / 253

[3]. ليعلم أنه لا ضير في حمل هذا المعنى العام الجديد على مصداقيه المتبائنين بتمام الذات على نحو الاشتراك المعنوي، ولكن أين هذا مما تقول به المعرفة البشرية من الاشتراك المعنوي بين ما يحمل من المعاني على الخالق والمخلوق، حيث إن هذا المعنى العام لا يكون له مفهوم إلا بعنوانه العام الذي لا صورة تصورية له، وتكون فائدة ذلك هي إخراج الشيء عن كونه معدوما ومبطلاً مجهولا مطلقا فقط. هذا كله على فرض تسليم معنى العموم والكلي، وإلا فلقائل أن ينكر وجود الكلي والعام كما أشرنا إلى ذلك ويقول إن قولنا: "الموجود إما مقداري وإمام متعال عنه" يكون على حد قولنا: "القائم إما زيد وإما عمرو" فذلك ليس من معنى العموم والكلي في شيء بل يكون على نحو الفرد المنتشر وهو جزئى لا كلي

[4]. وذلك على فرض قبول الوجود الذهني والبحث عن ذلك وعن كيفية ارتباطه مع الخارج موكول إلى محله.

[5]. ولا يذهب عليك أنه ليس المراد من كون الخالق تبارك وتعالى متعاليا عن قبول العدم لذاته، كونه نفس مصداق الوجود البحت، وصرف الوجود اللا بشرط المطلق الموهوم الذي اختلقته الفلسفة والعرفان، فإنه قد مرّ مرارا أن فرض العينية والواقعية لحقيقة الوجود من الأوهام الخاطئة جدا، فالنقاش فيه موضوعي، واللّه‏ تبارك وتعالى هو شيء موجود بالوجود العام، وهوية حقيقية بالهوية العامة، لا يعلم ما هو إلا هو، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.

[6] . بحار الأنوار، 4 / 253

[7] . بحار الأنوار، 4 / 221

[8]. نهج البلاغه، الخطبة، 1

الخميس، 7 أغسطس 2014

ميزان المعرفة الدينية (السيد جعفر سيدان)


لا يخفى أهمية الفكر الصحيح والمعرفة الصحيحة، وأنهما من أهمّ ما يمتاز به الإنسان. وهنا نلقي نظرةً -وباختصار- حول ميزان المعرفة عند المدارس الفكرية البشرية، ثم نقارن بينها وبين الرؤية الصحيحة للمعرفة.
ونبدأ في الحديث من نقطة مقبولة لدى كافة المدارس الفكرية المختلفة وهي أنّ التعقل والإدراك العقلي حجة وسند في الجملة، إلاّ أنّ المفكرين والمحققين في حقائق الوجود والكون قد اختلفت نظراتهم ومذاهبهم في تحصيل المعرفة الصحيحة حول موازين المعرفة.

(مذهب الماديين)

ميزان الوصول إلى الواقع والحقيقة عند هؤلاء الماديين ينحصر بكسب المعلومات عن طريق الحس والتجربة، ويرفضون كلّ المعارف الّتي لا تقوم على أساس الحس والتجربة.
وفي جواب هؤلاء نقول:
صحيح أنّ للحواس أهميةً بالغة للوصول إلى كثير من الحقائق حتى قيل: «من فقد حسًّا فقدْ فَقَدَ علماً» إلّا أنّ الأدلة الكثيرة دالة على بطلان هذا المذهب، نذكر بعضاً منها:
ألف: إنّ من الأمور البديهية والقطعية خطأ الحواس، والكل يعترفون بأنّ الحواس تُخطئ، وعلى هذا الأساس فلابد للحسّ من ميزان يُستطاع بذلك الميزان اكتشاف خطأ الحواس، فلا يمكن أن تكون الحواس هي الكل بالكل في ميزان المعرفة.
بـاء: إنّ القواعد والقوانين العامة والكلية في العلوم المختلفة، كالحساب والهندسة والطبيعيات وسائر العلوم مقبولة، ومما يؤمن به كافة العقلاء، ولا يختلف فيها اثنان، مع أنها كلية ولم تخضع جزئياتها للحسّ والتجربة، بل ولا ربط لها بالحواس.

(مذهب الصوفية)

في اعتقاد هؤلاء أنّ ميزان المعرفة والوسيلة الّتي يتم بها الوصول إلى الواقع هو الكشف والشهود، ويقولون: «إن قَدَم أهل الاستدلال من خشب»[1]، والمراد أنّ طريقة أهل الاستدلال العقلي صعبة لا تمكّن صاحبها من الوصول إلى الحقيقة والواقع. فهم لا ينكرون أن للتعقل قيمة في كثير من المسائل العادية، بل يعتقدون أن قسماً من حقائق الوجود المهمة لا يمكن فهمها إلاّ بالكشف والشهود؛ ولذا فهم يعتبرون أنّ أهل الاستدلال العقلي عاجزون، ويقولون: إنّ الطريق للوصول إلى الحقائق المهمة هو: «طورٌ وراء طور العقل».
وهذا المذهب أيضاً باطل وغير صحيح، وإن كان يمكن الوصول إلى الحقيقة في بعض الأحيان من خلال المكاشفة والمشاهدة، إلاّ أنه لا يمكن جعل ذلك ميزاناً للمعرفة، وذلك:
أولاً: أنّ كثيراً من المكاشفات بعضها يناقض بعضها الآخر، وليست لها نتيجة واحدة، بل هي متفاوتة من شخص إلى آخر ومن مكاشفة إلى أخرى. وعلى هذا الأساس لا يمكن أن تكون ميزاناً لتشخيص الصحيح من الغلط والحق من الباطل، بل هي محتاجة إلى ميزان يشخّص حق المكاشفة من باطلها.
ثانياً: من المحتمل أن تكون المكاشفة الّتي شاهدها الإنسان نتيجة للأعمال الرياضية الروحية الّتي يقوم بها صاحب المكاشفة ولا ربط لها بالواقع. وهذا الاحتمال وارد وقويّ. كما نشاهد بعض الاثار تحصل نتيجة لاستعمال بعض الأدوية، ولا تكون تلك الاثار انعكاساً عن الواقع وبياناً له.
ثالثاً: أنّ كثيراً من المكاشفات مخالفة للأمور اليقينية والقطعية. إذاً لا يمكن أن تكون المكاشفة ميزاناً للمعرفة. كما في مكاشفة محيي الدين بن عربي في الفص الداوودي من كتابه فصوص الحكم حيث يقول: «ولهذا مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما نص بخلافةٍ عنه إلى أحد ولا عيّنه؛ لعلمه أنّ في أمته من يأخذ الخلافة عن ربّه فيكون خليفة عن الله مع الموافقة في الحكم المشروع، فلما علم ذلك (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحجر الأمر». وقد علّق صاحب كتاب (مُمّد الهمم في شرح فصوص الحكم) ص 410، بعد شرحه للعبارة في الهامش بقوله: «لا شك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عيّن وصيًّا من بعده وهو أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، كما أنه لا شك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يُعيِّن خليفة حين ارتحاله وذلك لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما طلب قلماً وقرطاساً قال عمر: يكفينا كتاب الله وإنّ الرجل ليهجر، وانجر الأمر إلى النزاع والشجار وبحضور رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما هو مفصل في كتب الفريقين، وفي نفس الوقت يعلم الرسول بوجود الخليفة بين الأمة وهو في الحقيقة خليفة له. وإذا أردنا الجمود على ظاهر اللفظ فاللازم أن نقول: إنّ الشيخ (ابن عربي) ليس معصوماً وقد صرّح في أوّل الكتاب بأنّي لست نبيًّا ولا رسولاً ولكني وارث وحارس لآخرتي، وحيث إنه ليس معصوماً ولا نبيًّا ولا رسولاً فقد وقع له الاشتباه في مكاشفته فكانت مكاشفته عن الله بحسب معتقده وسوابق أنسه وما ألِفه.

(مذهب الفلاسفة)

في الطريقة الفلسفية العقل وحده هو الميزان في معرفة الحقائق، وكلّ شيء خارج عن الاستدلال العقلي لا اعتبار به ولا يمكن قبوله حسب مذهب هؤلاء، فهو كالمذاهب السابقة ليس الميزان فيه الشرع وما جاء به الوحي نفياً ولا إثباتاً. وبعبارة ثانية: إنّ الفيلسوف يعتمد البرهان والاستدلال ولا يهمّهُ أن تكون النتيجة موافقة للشرع أم مخالفة له. وبالنسبة إلى الفلاسفة الإسلاميين سوف نتعرض وباختصار للحديث عنهم.
من جملة الإشكالات الواردة على الطريقة الفلسفية هو ما يقال من مقبولية العقل[2] لكل ما يدركه ويصل إليه، في حين أننا نجد -كما يعترف بذلك كثير من العقلاء وبشهادة اختلاف الفلاسفة في الأصول والمباني الأساسية للتعقل والتفكير الى حدّ التناقض والتضاد في أكثر المسائل المهمة كما هو واضح بمراجعة أي واحد من الكتب الفلسفية- أن العقل لا طريق له إلى كلّ المسائل والحقائق. والواضح من الأمور لدى العقل محدود، وكثير من المسائل المهمة لا وضوح فيها عقلاً.
وأيضاً كثير من المسائل غير الخارجة عن حدود العقل مكتنفة بالدقة العقلية، بمعنى أنّ وصول العقل إليها دقيق، بحيث كان كشفها وإدراكها نادراً لكبار الناس. والحاصل أنّ دائرة الاستفادة من العقل محدودة[3]، ولا يمكن الاستفادة منه في جميع مجالات المعرفة. إذاً لا يمكن جعله هو الميزان الأول والأخير.
فاختلاف وتضارب مباني ونظريات شيخ الإشراق وشيخ الفلاسفة ابن سينا وملا صدرا وباقي الفلاسفة في أكثر المسائل المهمة في الفلسفة -كالإرادة، والقدم، والحدوث، وفاعلية الذات المقدسة الإلهية، والحركة في الجوهر، واتحاد العاقل والمعقول، وأصالة الوجود، والتشكيك في الوجود، ووحدة الوجود، ومسألة الروح، وكيفية الحشر والمعاد، وغيرها من المسائل الفلسفية- أدل دليل على أنّ المذهب الفلسفي خَطِرٌ لا أمان فيه. ولا نريد بذلك عدم حجيّة العقل؛ فإنّ حجية العقل ثابتة ومما لا كلام فيها، وإنما نريد أن نقول: إنّ دائرة العقل محدودة، ولا يمكن مع هذه المحدودية الكشف عن كلّ المباحث والمسائل بشكل قطعي وبكامل الاطمئنان.
وعلى هذا الأساس فالأسلوب الصحيح للوصول إلى حقائق الوجود والكون هو الاعتماد على العقل في دائرة المستقلات العقلية، الّتي يتفق فيها عموم العقلاء، بعد الإيمان بالله جل وعلا ورسالة خاتم الأنبياء وما جاء به الوحي. بعد ثبوت ذلك بدليل هذا العقل الفطري فقد انفتح باب آخر صحيح لتحصيل الحقائق يوجب الاطمئنان واليقين وهو: التدبر والتعقل فيما جاء به الوحي، فما يتضح ممَّا جاء به الوحي بعد صحة الدليل سنداً ودلالة هو الحقّ والحقيقة، وإن لم ينتخب الإنسان هذا الطريق فاحتمال وقوعه في خطر الاشتباهات العظيمة قوي جدًّا.
وبما ذكرنا صرَّح المرحوم الشيخ الأنصارى (رحمه الله) في بحث القطع من كتاب الرسائل، بعد منعه المؤكَّد عن الاعتماد والاتِّكال على البراهين العقلية والأقيسة المختلفة في استنباط الأحكام، حيث قال:
«وأوجب من ذلك ترك الخوض في المطالب العقلية النظرية لإدراك ما يتعلق بأصول الدين؛ فإنه تعريض للهلاك الدائم والعذاب الخالد. وقد أشير إلى ذلك عند النهي عن الخوض في مسألة القضاء والقدر».
وأجد من اللازم في هذا القسم من البحث أن أذكّر بأمور ثلاثة:

1-  لو قيل: إن اختلاف الفلاسفة في المسائل المختلفة لايكون دليلا على عدم صحة الطريقة الفلسفية وعدم كونها موجبة للأطمئنان ، نظير اختلاف الفقهاء ، حيث لا يكون دليلا على عدم صحة الفقه والفقاهة ، فكذلك مافي المقام.
والجواب: أنّ قياس طريقة الفلاسفة مع طريقة الفقهاء قياس مع الفارق، وذلك للأسباب التالية:
أوّلاً: أنّ الفلاسفة يدَّعون القطع بالواقع والوصول إلى الحقيقة، ولكن مع ملاحظة اختلافهم الشديد فيما بينهم وملاحظة ما تقدم لا يمكن أن يحصل القطع من كلامهم[4]، بخلاف الفقهاء فإنهم لا يدَّعون القطع ولا يضر اختلافهم بمدَّعاهم؛ فإنهم يقولون: إنما يحصل لنا الاطمئنان من خلال الاستنباط بلا نفي لاحتمال مخالفة استنباطهم للواقع.
ثانياً: أنّ الفقهاء يعملون على أساس التكليف الشرعي، ومن المعلوم قطعاً ويقيناً هو وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة وأخبار العترة الطاهرة والتمسك بالثقلين، وإذا ما حصل الاشتباه في الاستنباط لهم فهم معذورون؛ وذلك لأنهم لا طريق لهم إلّا ذلك، بخلاف الفلاسفة فإنهم يدَّعون الوصول إلى الواقع، وحيث إنّ عملهم يرتبط بالمسائل العقائدية والمعارف الإلهية لابد وأن يكون أسلوبهم وطريقهم في ذلك يقينيًّا، وإذا ما حصل الاحتمال ولو واحد بالألف من أنّ هذا الطريق لا يوصل إلى الواقع فيلزم عليهم عقلاً أن يُعرضوا عنه، ولابد لهم من أن يلتزموا بالواقع على ما هو عليه من الإجمال والإبهام، بل اللازم قبول ما جاء به الوحي بعد الاعتقاد به.

2- نقل عن المرحوم الشيخ مرتضى الانصاري أعلى الله مقامه الشريف أنه قال ((يلزم الابتعاد عن الاستدلالات العقلية في اصول الدين))
في حين أنّ الفقهاء يقولون: «لا يجوز التقليد في أصول الدين».
فكيف يمكن التوفيق بين هذين الكلامين.
ونقول في الجواب: إنّ هذين المقالين لا تنافي بينهما -مضافاً إلى أنّ الاجتهاد في بعض الموارد يكون على أساس الأدلة النقلية كالمعاد والإمامة- لأنه ليس المقصود من عدم الاستدلالات العقلية في أصول الدين هو نفي المستقلات العقلية من الاستدلال؛ وذلك لوضوح حجية المستقلات العقلية وقطعيتها. وعلى هذا فلزوم الاجتهاد في أصول الدين يكون على معنيين:
ألف: أصول الدين على أساس المستقلات العقلية والعقل الفطري مثل مسألة التوحيد والنبوة.
بـاء: أصول الدين على أساس الأدلة المعتبرة من الوحي مثل مسألتي المعاد والإمامة.
وعلى أي حال فلا يجوز تقليد الآخرين في أصول الدين بل لابد من فهم المطالب بشكل واضح، والوصول إليها بواسطة العقل الفطري ولو من خلال الاستعانة بتذكير الآخرين. هذا فيما يرتبط بمسائل التوحيد والنبوة.
أو أن تُفهم المطالب في سائر المسائل من خلال الكتاب والسنة.

3- إن ماقيل من أن الفلاسفة لايهمهم مطابقة مايصلون إليه لما جاء به الوحي والأدلة الشرعية لانفيا ولا إثباتا إنما هو بالنسبة للفلاسفة غير الاسلاميين ، أو ان المراد ان الطريقة الفلسفية بالمعنى الخاص للكلمة -في نفسها كذلك كما قال الفيلسوف الشهير الحاج ملا هادي السبزواري في شرح منظومته -قسم الفلسفة ص68 ، حول هذه العبارة 
ضرورة القضية الفعلية
لوازم الاول والماهية
«قولنا المتصدين لمعرفة الحقائق وهم أربع فرق، لأنهم إما أن يصلوا إليها بمجرد الفكر، أو بمجرد تصفية النفس بالتخلية والتحلية، أو بالجمع بينهما. فالجامعون هم الإشراقيون، والمصفّون هم الصوفية، والمقصرون على الفكر إما يواظبون موافقة أوضاع ملة الأديان وهم المتكلمون، أو يبحثون على الإطلاق وهم المشاؤون. والفكر مشي العقل إذ الفكر حركة من المطالب إلى المبادي ومن المبادي إلى المطالب».
ولكنّ الفلاسفة الإسلاميين قد صرَّحوا مراراً أنّ الفلسفة الّتي على خلاف الشرع والشريعة مرفوضة، وأنّهم متعبدون بما تقتضيه الموازين الشرعية.
ونقول: إنّ هنالك جمعاً من الفلاسفة الإسلاميين الّذين لهم باع طويل واطلاع كامل في الأصول والمباني الفلسفية يستفيدون من الفلسفة فقط في خصوص المسائل الّتي لا ترتبط بالإسلام، أو الّتي توافق الدين، وأمّا المسائل الّتي لا تتطابق مع الدين والشريعة والمخالفة للموازين والأدلة الشرعية كاملاً، فإنّهم يتعبدون ويعتقدون بما جاء به الوحي.
وفي الحقيقة هؤلاء العلماء مظهر العالم الرباني والفقيه في الدين.
وهنالك جمع آخر من الفلاسفة الإسلاميين مع تقيدهم بالإسلام إلّا أنّهم عملاً يتابعون في البحوث العلمية الأفكار والآراء للشخصيات والنوابغ البشرية، ويعتمدون عليهم في مختلف المسائل، وإذا ما كانت أفكارهم مخالفة للشريعة يسعون لتوجيه الشريعة وتأويلها بالشكل الّذي يحصل التوافق والانطباق بينهما كما ستأتي بعض الشواهد على ذلك.

(مذهب العرفاء والإشراقيين)

العرفاء والاشراقيون مع اختلافهم يشتركون في جهة واحدة وهي:
الجمع بين العقل والكشف، ويعطون لكلّ واحد منهما قيمة إلى حد ما، لا بمعنى أنه لابد من الجمع بين العقل والكشف في الكشف عن الحقائق في كلّ الموارد، بل بمعنى أنّه يصح عندهم انتخاب أي من الطريقين.
ولا يخفى ممّا تقدم بطلان هذا المذهب أيضاً وترد عليه الإيرادات والإشكالات الواردة على المذهب الثاني والثالث أيضاً.
وهؤلاء يؤلون ويوجهون الآيات والروايات أكثر من الفلاسفة ويتمسكون بالمتشابه من الآيات والروايات لأجل إثبات آرائهم ونظرياتهم.

(مذهب الوحي ومدرسته)

من خلال ما تقدم من مباحث نحصل على هذه النتيجة: أنّ الميزان في الكشف عن الحقائق هو العقل الفطري، وحسب الاصطلاح: العقل حجة قطعية في حدود المستقلات العقلية. وحينئذ عن طريق هذا العقل الفطري يصل الإنسان إلى طريق الوحي ومدرسته، ويعتقد بالله جل وعلا ورسالته في الحياة، وحينئذ سيكون الميزان هو مذهب الوحي، وعليه فلابد من التدبر فيه والاستفادة منه، نظير من يحمل شمعة يستضيء بنورها للبحث عن اللآلئ والجواهر النفيسة فيما بين الأحجار والأشواك في صحراء مظلمة وإذا به قد واجه منبعاً عظيم النور، فمن الواضح والبديهي أنه لابد وأن يستفيد منه أحسن ما يكون.
ولا يخفى أنّ من يعتمد ويستفيد من منبع الوحي سوف لا يواجه مطالب مخالفةً للعقل الفطري، وإذا وقع الاختلاف بين ما يُستفاد من القرآن والحديث وبين استدلالات الفلاسفة وغيرهم (الّتي يناقض بعضُها بعضاً) فمن البديهي تَقَدُّمُ ما يُستفاد من مدرسة الوحي، ولا يمكن توجيهه ولا تأويله على ما يقوله الفلاسفة وغيرهم؛ وذلك لاحتمال الخطأ في استدلال كلّ واحد منهم، بل من المحتمل خطأ مجموع استدلالاتهم الّتي تسمّى بالعقلية[5]. وقد أرشدنا القرآن إلى هذه الحقيقة وهي التعقل والتفكير والتمسك بالكتاب والعترة يعني مدرسة الوحي، وبذلك نطقت الأحاديث الشريفة أيضاً وسنشير إلى بعض منهما. ولا يخفى على القارئ الكريم أنّ هذه الشواهد الّتي سنذكرها إنما هي بعد الإيمان بالوحي بواسطة الدليل العقلي:
1- ﴿أَولَمْ يَتَفَكّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ الله السَّمواتِ والاَرْضَ وما بَيْنَهُما إِلّا بِالْحَقِّ وأَجَلٍَ مُّسَمَّىً وإِنَّ كَثِيْرَاً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُوْنَ﴾[6].
2- ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوْهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوْا﴾[7].
3- عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «حُجَّةُ الله عَلَى الْعِبَادِ النَّبِيُّ، وَالْحُجَّةُ فِيمَا بَيْنَ الْعِبَادِ وَبَيْنَ الله الْعَقْلُ»[8].
4- «.. يَا هِشَامُ مَا بَعَثَ اللَّـهُ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ إِلَى عِبَادِهِ إِلَّا لِيَعْقِلُوا عَنِ الله»[9].
5- «مَنْ أَخَذَ دِينَهُ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ أَزَالَتْهُ الرِّجَالُ، وَمَنْ أَخَذَ دِينَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ زَالَتِ الْجِبَالُ وَلَمْ يَزُلْ»[10].
بعد هذه الموجز في بيان الميزان الصحيح للوصول إلى الحقائق نقارن بعض النتائج المستفادة من المنهج الصحيح، وهو التعقل والتدبر في مدرسة الوحي، مع ما تقوله المذاهب البشرية في ذلك.



(المعاد الجسمي والروحي)

من المسائل الّتي يتضح فيها التناقض بين ما جاءت به الشريعة -القرآن والأحاديث- وما يقوله الفلاسفة والعرفاء مسألة المعاد، وحول تحقيق هذه المسألة نبدأ بمراجعة القرآن والآحاديث المعتبرة بالتدقيق فيما يستفاد منهما، قبل إشباع الذهن والقلب بغير مدرسة الوحي، ثم نشرح نظرية الفيلسوف الشهير ملا صدرا، الّتي أصبحت طريقته الفلسفية والعرفانية في القرون الأخير محوراً للفلسفة والعرفان.
وحينذاك سوف نقف على مغايرة نظريته لما هو المستفاد من الآيات الشريفة والأحاديث المعتبرة، وسوف نلاحظ من خلال البحث بعض تأويلات هذا الفيلسوف الشهير.
في تحقيقنا للآيات والأحاديث حول جسمانية المعاد سوف نشاهد، بالدلالات الصريحة والقطعية، أنّ عالم القيامة ونشأتها يكون بالأبدان المكونة من هذه العناصر الترابية (الّتي هي أجزاء الإنسان نفسها في دار الدنيا) والأرواح، وأنّ الإنسان يحشر ببدنه وروحه، لا أنّ عالم القيامة أرواح بلا أجساد أو أرواح مع صور جسمانية حصلت بإنشاء النفس لها ليس لها إلّا المقدار، ولا أثر للعناصر المادية فيها.
الآيات القرانية الكريمة:

الآيات القرآنية كثيرة جدًّا نذّكر بأربع منها:
1- ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُّحْيِي الْعِظامَ وهِيَ رَمِيْمٌ﴾[11].
في هذه الآية الشريفة نجد التصريح الإلهي بإحيائه وإنشائه العظام البالية نفسها الّتي أصبحت رميماً، وبيّن لنا قدرته على خلق تلك العظام الّتي لم تكن ثم أوجدها.
2- ﴿اَيَحْسَبُ الاِنْسانُ أَلَّنْ نَّجْمَعَ عِظامَهُ﴾[12].
وفي هذه الآية الشريفة يأتي الجواب لتصورات ذلك الإنسان المنكر للقيامة، بإنكاره لإعادة العظام إلى تركيبها السابق وجمعها بعد تلاشيها وانعدامها، بالتوبيخ على هذه التصورات، وقد جاء الإعلان عن جمع هذه العظام بعد تفرقها من خلال التوبيخ والاستنكار اللذين أبدتهما الآية المباركة لهذه الافكار والتصورات.
3- ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ﴾[13].
وفي هذه الآية الشريفة يتجسم لنا المعاد والإحياء بعد تلاشي حمار عُزير لمدة مائة سنة، وذلك بإنبات اللحم على العظام. والآية تعلن بكلّ صراحة عن كيفية المعاد والعلاقة بين الروح والأجزاء الدنيوية للإنسان.
4- ﴿وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾[14].
فمن الواضح أنّه ليست الأرواح في القبور وإنّما هذه الأبدان المتلاشية هي الّتي في القبور ثم تُحيا.
الأحاديث الشريفة:

الروايات المعتبرة حول المعاد كالآيات كثيرة جدًّا، ونذكر بعضاً منها:
1- في الإحتجاج: رَوَى هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَأَلَ الزِّنْدِيقُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) فَقَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنِ النَّاسِ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً؟! قَالَ: بَلْ يُحْشَرُونَ فِي أَكْفَانِهِمْ. قَالَ: أَنَّى لَهُمْ بِالْأَكْفَانِ وَقَدْ بُلِيَتْ!. قَالَ (عليه السلام): إِنَّ الَّذِي أَحْيَا أَبْدَانَهُمْ جَدَّدَ أَكْفَانَهُمْ..»[15].
2- عن الصادق (عليه السلام) قال: «إِذَا أَرَادَ اللَّـهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَبْعَثَ الْخَلْقَ أَمْطَرَ السَّمَاءَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فَاجْتَمَعَتِ الْأَوْصَالُ وَنَبَتَتِ اللُّحُومُ»[16].
3- «عن الصادق (عليه السلام) قال: «أَتَى جَبْرَئِيلُ رَسُولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فَأَخَذَهُ فَأَخْرَجَهُ إِلَى الْبَقِيعِ فَانْتَهَى بِهِ إِلَى قَبْرٍ فَصَوَّتَ بِصَاحِبِهِ، فَقَالَ: قُمْ بِإِذْنِ اللَّـهِ، فَخَرَجَ مِنْهُ رَجُلٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لله، وَاللَّـهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ جَبْرَئِيلُ: عُدْ بِإِذْنِ الله. ثُمَّ انْتَهَى بِهِ إِلَى قَبْرٍ آخَرَ، فَقَالَ: قُمْ بِإِذْنِ الله، فَخَرَجَ مِنْهُ رَجُلٌ مُسْوَدُّ الْوَجْهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا حَسْرَتَاهْ يَا ثُبُورَاهْ. ثُمَّ قَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ: عُدْ إِلَى مَا كُنْتَ بِإِذْنِ الله، قَالَ يَا مُحَمَّدُ: هَكَذَا يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ مَا تَرَى..»[17].
من مجموع هذه الآيات والروايات، وهي نماذج لقسم من الآيات والروايات، نفهم وبشكل واضح أنّ نشأة القيامة هي عبارة عن حشر الناس بأبدانهم العنصرية المادية الدنيوية بالإضافة إلى أرواحهم.
نظرية ملا صدرا حول المعاد الجسماني:

لا يخفى على أحد أنّ ملا صدرا فيلسوف معروف، وقد صرَّح هذا الفيلسوف في مواضع كثيرة من كتبه أنّ المُعاد في المَعاد يوم القيامة هو هذا البدن بعينه، إلّا أنه صرح مراراً أنّ المراد من عينيّة هذا البدن ليس المراد الجسم العنصري المادي، بل المراد صورة البدن بلا مادة، يعني البدن القائم بالنفس والمُنشأ بواسطة النفس، والّذي يكون من ملكاتها، وهذا النوع من المعاد مختص للمتوسطين من الناس، وأمّا الكاملون من الناس فقيامتهم بالروح فقط بلا بدن حتى مثل هذا البدن الآنف الذكر.
والآن نورد قسماً من عباراته حيث يقول:
1- «فكل جوهر نفساني مفارق يلزم شبحاً مثاليًّا ينشأ منه بحسب ملكاته وأخلاقه وهيئاته النفسانية بلا مدخلية الاستعدادات وحركات المواد كما في هذا العالم شيئاً فشيئاً..» إلى أن قال: «فإن قلت: النصوص القرآنية دالة على أنّ البدن الأخروي لكل إنسان هو بعينه هذا البدن الدنياوي له، قلنا: نعم ولكن من حيث الصورة لا من حيث المادة، وتمام كلّ شيء بصورته لا بمادته»[18].
2- «وأنزل من هذه المرتبة من الاعتقاد في باب المعاد وحشر الأجساد اعتقاد علماء الكلام، كالإمام الرازي ونظرائه، بناء على أنّ المعاد عندهم عبارة عن جمع متفرقات أجزاء ماديّة لأعضاء أصلية باقية عندهم» إلى أن قال: «ولا يخفى على ذي بصيرة أنّ النشأة الثانية طور آخر من الوجود يباين هذا الطور المخلوق من التراب والماء والطين، وأنّ الموت والبعث ابتداء حركة الوجود إلى الله أو القرب منه لا العود إلى الخلقة المادية والبدن الترابي الكثيف الظلماني»[19].
فمن الواضح مما نقلناه عنه من هذه الكلمات مما يغاير ما نطق به القرآن الكريم والأحاديث المعتبرة.
نعم يصرح ملا صدرا بجسم وجسمانية هذا البدن المثالي كثيراً، إلّا أنّه صرّح أيضاً بأنّ المقصود من هذا البدن ليس البدن والجسم العنصري المادي.
رد نظرية ملا صدرا على لسان ثلاث شخصيات:
ونختم هذا المقال بنقل كلمات ثلاث شخصيات في العلم والتقوى وهم المرحوم آية الله ميرزا أحمد الآشتياني (رحمه الله)، وآية الله الحاج الشيخ محمد تقي الآملي (رحمه الله)، والمرحوم آية الله السيد أحمد الخوانساري (رحمه الله) الّذي شرح الموضوع بشكل جيد وبيّن مخالفة نظرية ملا صدرا لما هو المستفاد من الشرع -الكتاب والسنة-.
1- يقول المرحوم الميرزا أحمد الآشتياني (رحمه الله) بعد إثبات أصل المعاد:
«الثاني أنّه بعد ما ثبت بحكم العقل والنقل لزوم المعاد ويوم الجزاء وقع البحث في أنّ ما ينتقل إليه الأرواح، في القيامة الكبرى ويوم الحساب، هل هو عين الأبدان الدنيوية البالية العنصرية بشمل شتاتها وجمع جهاتها بأمره تبارك وتعالى كما يقتضيه الاعتبار، حيث إنّ النفس خالفت أو أطاعت وأنقادت لمّا كانت بتلك الجوارح، فحسن المجازات وكمال المكافاة بأن يكون المجازى عين من أطاع أو عصى أم لا، بل تنتقل إلى صورة مجّردة تعليمية ذات امتداد نظير القوالب المثالية والصور المرآتية؟».
الى أن قال: «ما وقع التصريح به في القرآن الكريم هو الأوّل، كما في جواب سؤال ابراهيم (عليه السلام) حيث قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ... حَكِيمٌ﴾ وقوله تعالى في جواب ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ وقوله عزّ شأنه في جواب سؤال ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ وغير ذلك من الآيات».
إلى أن قال: «ولكن جماعة من أهل الحكمة المتعارفة ذهبوا لشبهة عرضت لهم إلى الثاني، ولابد لنا من حلّها ودفعها بعون الله تعالى»[20].
ثم إنّه ذكر خلاصة من مسلك ملا صدرا وانتقده بقوله: «فإنكار المعاد الجسماني وعود الأرواح إلى الأجسام، الّذي يساعده العقل السليم، يخالف نصّ القرآن بل جميع الأديان، وإنكار لما هو ضروري الإسلام، أعاذنا الله تعالى من زلّات الأوهام وتسويلات الشيطان»[21].
2- ويقول المرحوم آية الله السيد أحمد الخوانساري (رحمه الله): «ثم إنّ البدن المحشور في يوم النشور البدن العنصري كما هو صريح الآيات والأخبار، وقد يقال: إنّ المحشور ليس البدن العنصري، بل البدن المثالي المنشأ بإنشاء النفس بإذن الله تعالى والمختلف باختلاف الملكات الحاصلة في الدنيا».
ثم استرسل في ذكر الشبهات والجواب عنها فقال: «وفي المقام شبهات تدعو إلى القول المذكور»[22].
وقد أجاب عن تلك الشبهات بعد بيانها ثم ذكر الآيات والروايات المثبتة للمعاد بالمعنى الّذي ذكرنا.
3- ويقول المرحوم آية الله الميرزا محمد تقي الآملي (رحمه الله) الفقيه الفيلسوف في تعليقته على شرح المنظومة -درر الفوائد- بعد توضيح مختار المصنف والتعليق عليه:
«هذا غاية ما يمكن أن يقال في هذه الطريقة ولكنّ الإنصاف أنّه عين انحصار المعاد بالروحاني لكن بعبارة أخفى، فإنّه بعد فرض كون شيئية الشيء بصورته وإنّ صورة ذات النفس هو نفسه وإنّ المادّة الدنيوية لمكان عدم مدخليتها في قوام الشيء لا يحشر، وإنّ المحشور هو النفس غاية الأمر إما مع انشائها لبدن مثالي قائم بها قياماً صدوريًّا مجرداً عن المادّة ولوازمها إلّا المقدار كما في نفوس المتوسطين من أصحاب الشمال أو أصحاب اليمين، وأمّا بدون ذلك أيضاً كما في المقرّبين. (ولعمري) أنّ هذا غير مطابق مع ما نطق عليه الشرع المقدس على صادعه السلام والتحيّة، وأنا أُشهد الله وملائكته وأنبيائه ورسله أنّي أعتقد في هذه الساعة، وهي ساعة الثلاث من يوم الأحد الرابع عشر من شهر شعبان المعظم سنة 1368، في أمر المعاد الجسماني بما نطق به القرآن الكريم، واعتقد به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، وعليه أطبقت الأمّة الإسلامية...»[23].
وفي هذه المقالات الثلاثة قد عرفت ردّ هؤلاء الأعلام على نظرية ملا صدرا، وأثبتوا المعاد الجسماني بالمعنى الّذي يقول به عموم الفقهاء والمحدثون.
--------------------------------------------------------------------------------
* ترجمة: ماجد الكاظمي
[1] ما بين القوسين أشبه بضرب المثل وهو صدر بيت شعر عجزه:«وإن قدم الخشب صعبة لا تمكن صاحبها من الحركة».
[2] بالمعنى الواسع للعقل، يعني بما يشمل غير البديهيَّات والبرهانيَّات من الإدراكات الاعتبارية والاستحسانية والذوقية -
المترجم.
[3] في حدود البديهيات والبرهانيات لا غير - المترجم.
[4] وتوضيح ذلك: أنّ صورة الاستدلال وإن كانت بديهية إلاّ أنّ الإشكال في مادة الاستدلال، فإن ما يعتمد عليه الفلاسفة في استدلالهم لا هو من البديهيات ولا من البرهانيات الّتي ترجع إلى البديهيات أيضاً، بل يعتمدون على أمور موروثة مما قبل الإسلام تقليداً بلا دليل يدل عليها، بل مجرد ادّعاءات دلَّ العقل على بطلانها. وحينئذ نقول لهم: إنه مع اختلافكم الشديد، وتضاربكم وتناقضكم في المباني والنتائج، كيف يمكن القول بأنّ استدلالاتكم عقلية أوّلاً؟ وأنها توجب القطع ثانياً؟ فإنّ الأمر العقلي مما
لا يختلف فيه العقلاء بعد رجوعه إلى البديهيات والوجدانيات. (المترجم).
[5] من الواضح أنه لو كان -كما في بعض الموارد- ظاهر الدليل النقلي مخالفاً للعقل النظري والمستقلات العقلية أو الأدلة القائمة على الأسس البديهية وكان الدليل النقلي قطعيًّا فلابد من تأويله، وفي مثل هذه الموارد قد جاء تأويله وتوجيهه في الأدلة النقلية نفسها، ومن هذا القبيل الآية الشريفة: ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة، آية: 23] و ﴿نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوْحِي﴾ [سورة
الحجر، آية/ 29] وإذا لم يكن الدليل النقلي صحيح السند ولم يكن واضح التأويل والتوجيه فهو مردود ومطروح.
[6] سورة الرّوم، آية: 8.
[7] سورة الحشر، آية: 7.
[8] أصول الكافي: ج1، ص: 10.
[9] أصول الكافي: ج1، ص: 10.
[10] وسائل الشيعة: ج27، ص132.
[11] سورة يس، آية: 78/79.
[12] سورة القيامة، آية: 3
[13] سورة البقرة، آية: 259.
[14] سورة الحج، آية: 7.
[15] الاحتجاج، ج2، ص246، احتجاجات الإمام أبي عبدالله (عليه السلام) ومن سؤال الزنديق الّذي سأل أبا عبدالله (عليه السلام)
مسائل كثيرة، طبع انتشارات الأسوة، سنة 1413هـ.
[16] بحار الانوار، ج7، ص: 33.
[17] بحار الأنوار، ج7، ص39.
[18] المصدر الآتي.
[19] الأسفار: ج8، ص153، طبع بيروت وفي الصفحات 178، 176، 174، 166، 157، 156، 153، 148، 39، 21، تجد ما نقلناه عنه
بوضوح.
[20] لوامع الحقائق، مبحث المعاد، ص 39، 40.
[21] لوامع الحقائق، مبحث المعاد، ص 39، 40.
[22] العقائد الحقة، اثبات المعاد، ص 255، ط الأولى: 1421هـ.
[23] درر الفوائد، الآملي، في المعاد الجسماني، 460/2، ط: دار التفسير للطباعة والنشر، قم: الثالثة، 1374 هـ.ش.

هل ان العالم مظهر وجود الله جل وعلا؟ (الشيخ ماجد الكاظمي)


هل ان العالم مظهر وجود الله جل وعلا؟
وهل ان الله جل وعلا تجلّى بهذا الوجود فصار سماءاً وارضاً وانساناً وملكاً؟
وهل ان العالم ظل الله جل‌وعلا عن ذلك؟
والجواب عن هذه الاسئله كالتالي: اما التعبير بان العالم مظهر وجوده تعالى فاماان يكون على سبيل الحقيقة واما ان يكون على سبيل المجاز فان كان على سبيل المجاز بمعنى ان المعلول يدل على العلة فلا اشكال فيه فان الدخان علامة على وجود النار ومظهَرُ لوجودها وان الاثر علامة على وجود المؤثر وهكذا فانه تعبير سائغ عرفاً ولغةً.
واما لو كان هذا التعبير على سبيل الحقيقة بمعنى ان الله سبحانه عزوجل ظهر بشكل انسان وسماء وارض وملك و و و او ان العالم بالنسبة لله جل وعلا كالظل بالنسبة للشخص وأن الظل قائم بذي الظل وتابع له والوجود حقيقة لذي الظل فقط دون ظله فلابد من النظر في صحة هذين المعنيين وقد وقع التعبير بكل من المعنيين في كلام الفلاسفة فتارة قالوا ان العلة حقيقة والمعلول مجاز وانه لاعلة ولامعلول بل ان الله سبحانه عزوجل لما كان في حالة القبض كان واحداً وحينما يكون في حالة البسط يكون سماءً وارضاً و و و او يُعبّر عن ذلك بالفتق والرتق وان حالة الظهور على شكل انسان وشجر وبقر هي الفتق وخلافها هو الرتق وتارةً قالوا: بان العالم وجوده وجود تعلّقي و رابطي وقسموا الوجود الى المستقل والرابط فكما ان وجود النسبة بين طرفي القضية لا وجود له الا بطرفيه من الموضوع والمحمول فكذلك وجود المعلول انما هو قائمٌ بالعلة ولا وجود له حقيقة فهو كالظل للشخص.
اقول: اما المعنى الاول وهو انه تعالى تمظهر(1) وتجلّى حقيقةً بهذه

المخلوقات فنقول: هل تمظهر بغير وجوده ام بوجوده؟ فان تمظهر بغير وجوده نسأل ونقول هل تمظهر بوجودٍ غير وجوده ام بالعدم؟
والاول «يعني ان تمظهر و تجلي بوجود غير وجوده» يستلزم وجود موجود غيرالله عزوجل وانه جل‌وعلا استمدّ منه وانه محتاج لغيره وبتعبير الفلاسفة يلزم تعدد القدماء وخروج الواجب عن كونه واجباً غنيّاً عمن سواه وكل ذلك باطل.
والثاني « يعني ان تمظهر و تجلي بالعدم » فجوابه ان العدم ليس شيئاً حتى يتمظهر به مضافاً الى استحالة انقلاب العدم الى الوجود.وعلى كلا الفرضين يكون الله جل وعلا متغيراً ومحلاً للحوادث وهو باطل و سيأتي بيان بطلانه.
واما لو انه جل‌وعلا تمظهر و تجلي بوجوده لا بوجود غيره ولا بالعدم فمعناه ان كل ما في الوجود فهو وجوده ولازم ذلك ان جميع هذه الموجودات هي الله «جل‌وعلا » وحينئذٍ لا شيء غيره فليس في دار الوجود ديّار غيره على حد تعبير صاحب الاسفار (2) وهو معلوم البطلان كما تقدم بيانه. وبذلك يظهر الجواب عن السؤال السابع والثامن.
واما المعنى الثاني وهو ان العالم ظل الله جل وعلا فهو مبني
على القول بالوجود الرابط وفسّروه: بالذي يكون وجوده عين التعلق والربط ولا ينتزع منه انه ثابت وموجود بل هو نفس ثبوت شيء لشيء ونفس تعلق شيءبشيءلا ثبوت الموجود نفسه فلا يكون هذا الثبوت ثابتاً لغيره بل الذي يصح ان يقال: ان الثابت
لغيره هو ذلك الشيء المضاف اليه الثبوت لا نفس الثبوت(3) .
قالوا: ولو كان ثبوت الشيء الذي هو معنى الوجود الرابط يستدعي ان يقال له انه ثابت لغيره فهذا يحتاج الى ربط بينه وبين الغير الثابت له و ننقل الكلام الى هذا الربط الاّخر وهو ايضاً يستدعي ان يكون ثابتاً للغير فيحتاج الى ربط ثالث وهكذا فيذهب
الى غير النهاية (4)
وذكروا ايضاً ان الوعاء الذي يتحقق فيه الوجود الرابط هو الوعاء الذي يتحقق فيه وجود طرفيه (5) وان الوجودات الرابطة لاماهية لها لان الماهيّات هي المقولة في جواب ما هو فهي مستقلّة بالمفهوميّة (6) والوجودات الرابطة لا مفهوم لها مستقلاً بالمفهومية و انّ من الوجودات الرابطة ما يقوم بطرف واحد كوجود المعلول بالقياس الى علته (7) وان نشأة الوجود لاتتضمن الاّ وجوداً واحداً
مستقلاً هو الواجب والباقي روابط ونسب و اضافات (8) .
والدليل على الوجودات الرابطة بالمعنى المتقدم هو انّ هناك قضايا خارجيّة تنطبق بموضوعاتها و محمولاتها على الخارج كقولنا: زيد قائم والانسان ضاحك مثلاً وايضاً مركبات تقييديّة مأخوذة من هذه القضايا كقيام زيد و ضحك الانسان نجد فيها بين اطرافها من الأمر الذي نسميّه نسبة و ربطاً ما لانجده في الموضوع وحده ولا في المحمول وحده ولا بين الموضوع وغير المحمول ولا بين المحمول وغير الموضوع فهناك امر موجود وراء الموضوع والمحمول وليس منفصل الذات عن الطرفين بحيث يكون ثالثهما ومفارقاً لهما (9)» والحاصل انه كما في قضيّة الانسان ضاحك ثلاثة اشياء وهي الموضوع والمحمول والنسبة القائمة فيهما وهي موجودة بوجود هما لا بوجود مستقل عنهما فكذلك زيد الذي هو معلول للذات الالهية المقدّسة فهو لا وجود له مستقل وانما وجوده تعلقي والوجود لله جل وعلا ووجوده مجرد نسبة واضافة ورابط واذا كان الرابط في القضايا الخارجية يحتاج الى موضوع ومحمول فهو لايحتاج الى طرفين في ما اذا كان الرابط معلولاً بل يحتاج الى طرف واحدة‌ وهو العلة.
والدليل على ذلك هو وجود النسب والروابط في القضايا
الخارجية المشتملة على الموضوع والمحمول واجاب الاستاذ مصباح اليزدي على هذا الدليل بقوله «لكن يُلاحظ عليه انّ ثبوت الموضوعات والمحمولات في الخارج لا يكفي دليلاً على ثبوت الرابطة كنوع من الوجود العيني والرابطة في القضايا ان دلّت على شيء خارجيّ فانّما تدل على اتحاد مصداق الموضوع والمحمول وهو اعم من ثبوت امر رابط بينهما فانّ اتحاد الجوهر والعرض او اتحاد المادّة والصورة في الخارج مثلاً لا يستلزم وجود رابط بينهما بل يكفي كون احدهما من مراتب وجود الاخر او كون احدهما رابطّياً بالنسبة الى الاخر والحاصل انّه لا يمكن بمثل هذا البيان اثبات الوجود الرابط في الاعيان(10)» وذكر ايضاً ان اللازم من كون المعلولات روابط و نسب واضافات لاماهية لها هو: نفي اي مجال للماهيّة مطلقاً فقال: ( فشمول هذا الحكم « يعني انها لا ماهية لها» للوجودات الامكانيّة العينيّة التي هي روابط بالنسبة الى الواجب جل‌وعلا مشكل جداً لاستلزامه نفي اي مجال للماهيّة مطلقاً(11)
اقول: ويكفي في بطلان فكرة الوجود التعلقي والربطي جواب الاستاذ مصباح اليزدي ونضيف على ما قال :
اولاً: لو ثبت الوجود الربطي في القضايا الخارجية « و هو محل
خلاف بين العلماء» فايّ ارتباط له في كون ثبوت المعلول للعلة ربطيّاً وتعلقيّاً.
ثانياً: انه قياس مع الفارق حيث ان الوجود الربطي في القضايا
الخارجية انما هو في عالم الاعتبار وثبوت المعلول للعلة تابع لعالم التكوين والواقع وفرق بين العالَمين فعالم الواقع تابع لقوانين العقل وعالم الاعتبار تابع لجعل المعتبر وهو اوسع من عالم التكوين والواقع.
ثالثاً: ان الرابط في القضايا الخارجية قائم بطرفين هما الموضوع والمحمول فكيف قام هنا المعلول بطرف واحد وهو العلة؟ وما الدليل؟ اليس ذلك مجرد ادعاء بلابرهان؟
رابعاً: ان الوجود الرابط لا استقلال له بالمفهومية ولا ماهية له في حين ان وجود الممكنات واستقلالها بالمفهومية من اوضح البديهيات.
خامساً: ان الوجود الربطي مبتنٍ على السنخيّة بين العلة والمعلول وان وجود المعلول انما هو قطعة من وجود العلة وقد عرفتَ بطلان السنخيّة بين الذات الالهية المقدسة ومعلولاتها. وبذلك يظهر بطلان القول بكون العالم ظل الله جل وعلا.وبه يُعلم الجواب عن السؤال .
الهوامش:
(1) كلمة تَمَظهَر يراد منها الاظهار يعني «استغفرالله» ان الله جل‌وعلا اظهر ذاته بهذه المخلوقات فتبدلت ذاته واصبحت سماءاً وارضاً وانساناً وشجراً وملكاً «والعياذ بالله».
(2) عارف وصوفي چه مي‌گويند ص118طبع بنياد بعثت ناقلا عن الاسفار لصدر الدين الشيرازي (ملا صدرا)ص184 المجلد الاول.
(3) الفلسفة الاسلامية للعلامة المظفر صفحه 37 الطبعة الاولى الناشر: مؤسسة دارالكتاب-الجزايري.
(4) المصدر السابق.
(5) نهاية الحكمة صفحه 29.
(6) المصدر السابق صفحه 30 .
(7)المصدر السابق صفحة 30 .
(8)المصدر السابق صفحه 31 .
(9)نهاية الحكمة صفحه 28 .
(10) تعليقه على نهاية الحكمة صفحه 58 .
(12) المصدر السابق صفحه 61 .